الدكتور الشاعر فوزى فهمى محمد غنيم
الدكتور الشاعر فوزى فهمى محمد غنيم

الدكتور فـوزى فهمي محمد غنيم يكتب.. الشورى من مقومات الحرية

عبادة الله وتحكيم شريعته لا يأتيان على الوجه الصحيح الا بعد التحرر من الخوف والتمكين فى الأرض ، ولما كان الاعتبار الإنسانى لا يقوم الا بالحرية بأن المسئولية القانونية الكاملة الصحيحة لا تقرر الا للاحرار . وتنتقص هذه المسئولية اذا انتقصت الحرية . وقد جعل الإسلام الشورى – وهى من مقومات الحرية – علامة المجتمع المؤمن ، وقرنها بالصلاة ، يقول تعالى : ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ) . وأمر الله رسوله بأن يشاور صحابته ( وشاورهم فى الأمر ، فاذا عزمت فتوكل على الله ) . وقد افترض الإسلام حدوث الخلاف بين الحاكم والمحكوم كنتيجة حتمية للحرية التى يتمتع بها معتنقوه ، فرسم للمسلمين أقوم الحلول لذلك ، وهو تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ، وفى ذلك يقول الله تعالى : ( فان تنازعتم فى شىء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير وأحسن تأويلا ) . وجعل الإسلام مقاومة الجور والظلم فريضة ، لأنهما من أشق الأمور التى تهدر الحرية . ولابد أن تكون الحرية مكفولة للخصوم ، لا للانصار فقط ، فان امتحان الحرية العسر هو الصبر على ممارسة الخصوم لها . بقيت شبهتان قد يتخذ منهما أعداء الإسلام سهاما يصوبونها إلى الحرية فى الإسلام . لقد قدس الإسلام الحرية أعظم تقديس . وان من يتدبر تعاليمه ويتأمل محكم آياته يدرك فى غير عسر أنه يمقت الاكراه والضغط أشد مقت ، ولو كان ذلك طريقا الى حمل الناس على اعتناق الإسلام نفسه . يقول الله تعالى (لست عليهم بمسيطر ) ، ويقول ( لا اكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى ) ويقول (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ، ويقول جل شأنه : ( ما على الرسول الا البلاغ ) .  وانتهت العصور القديمة والوسطى بما فيها من جهالة وبطش وقسوة وظلم ، ولكن هل استردت الإنسانية كرامتها بعد ذلك ؟ كلا .. والإسلام العظيم يقرر الحرية على اختلاف ألوانها ويحميها ، فحرية التملك والتصرف فى المال مقررة فى الإسلام للرجل وللمرأة على السواء كذلك حرية العمل وحرية الفكر ، وحرية اعتناق المبادىء ، وحرية الانتقال وحرية الاجتماع .. كل هذه الحريات وأمثالها مصونة فى الإسلام بشرط ألا تضر بمصالح المجموع الذى ترعاه شريعته وتحميه سلطة دولته . وشريعة الإسلام لا تجيز التعسف فى استعمال الحق ، يقول النبى الكريم صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ، ولا ضرار ، ولا استئثار ، ولا غلول ) .  وقد صان الإسلام حرمات الإنسان الشخصية بالنسبة لسلطات الدولة نفسها ، فلا جريمة ولا عقوبة الا بنص القانون ، يقول تعالى ( عفا الله عما سلف ) .  والمتهم برىء الى أن تثبت ادانته . والشريعة الإسلامية تقرر ضمانات فى الاستدلال والتحقيق والمحاكمة ، ولا تميل الى التأثيم والتجريم بغير دليل قاطع . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( ادرأوا الحدود بالشبهات ) ، ويقول عليه السلام : ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فان وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله ، فان الامام لأن يخطىء فى العفو خير من أن يخطىء فى العقوبة . فهذا موقف الإسلام العظيم من الحريات بأنواعها ، ومنه ندرك أنه قد كفلها جميعا ، ووفر للفرد كرامته وانسانيته وعزته بهذه الكفالة .

شاهد أيضاً

جمال المتولى جمعة يكتب .. مياه النيل بين الموقف الأمريكي المتغير والشعب الأثيوبي

مياه النيل بالنسبة لمصر ليست قضية سياسية عابرة ولا ملفا يمكن تأجيله أو التعامل معه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *