فى عام 1985 أصدر السيناتور الأمريكى بول فندلى (1921ـ 2019) كتابه (من يجرؤ على الكلام؟)، يكشف فيه نفوذ اللوبي الصهيوني على مراكز صناعة القرار فى الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالصراع العربى الإسرائيلى، وفى 1993 أصدر كتابه الثانى (الخداع)، يفضح فيه أساطير الصهاينة ودعاياتهم المضللة، والأضرار التى تلحق بالمصالح الأمريكية بسبب انحياز أمريكا لإسرائيل، وفى 2001 أصدر كتابه الثالث (لا سكوت بعد اليوم)، يدافع فيه عن صورة العرب والمسلمين التى شوهتها الصهيونية فى الغرب، ويروى فيه رحلته الاستكشافية فى عالم الإسلام، التى أقنعته بأنه دين التسامح والعدل واحترام قيمة الإنسان وكرامته، ومع ذلك يتعرض المسلمون للتمييز والاتهامات الباطلة، وفى 2011 نشر مذكراته تحت عنوان (أمريكا فى خطر)، ووضع فيها جماع تجاربه وخبراته ورؤاه، التى اختصرها فى أن أمريكا تتضرر كثيرا بسبب انحيازها الأعمى لإسرائيل.
دفع فندلى بالطبع ثمن مواقفه، فقد اعتبرته إسرائيل وحلفاؤها عدوا خطيرا، وقامت مؤسساتهم بتشويه سمعته وحصاره إعلاميا، والتعتيم على كتبه وأنشطته، وفقد مقعده فى الكونجرس الذى شغله لـ 20 عاما متوالية، لكن هذا الرجل الشجاع لم يستسلم، وظل يناضل بشرف من أجل الحقيقة، ومن أجل المصالح العليا لبلاده، ودخل التاريخ كأول سيناتور يتجرأ على الكلام المعاكس لما هو سائد فى الكونجرس والمؤسسات الأمريكية، ويتصدى للأكاذيب الصهيونية حول فلسطين والعرب والمسلمين.
واليوم نسمع أصواتا فى الكونجرس تتجرأ على الكلام بما يخالف توجهات اللوبى الصهيونى، وتطالب الرئيس بايدن بأن يوقف الدعم العسكرى الأمريكى لإسرائيل مادامت مستمرة فى حربها على غزة، ورافضة لفكرة حل الدولتين، صحيح أن هذه الأصوات مازالت أقلية غير مؤثرة، لكنها تعبر عن شخصيات كبيرة فى السن والخبرة والنفوذ السياسي على المستويين المحلى والعالمى، لعل أشهرها السيناتور بيرنى ساندرز، المرشح السابق للرئاسة الأمريكية.
ومع استمرار حرب الإبادة على الشعب الفلسطينى، وتورط أمريكا فى قصف سوريا والعراق واليمن، وتزايد حجم التظاهرات الشعبية الرافضة للحرب فى الدول المساندة لإسرائيل، خرجت أصوات قوية فى الغرب تعارض سياسات حكوماتها تجاه حرب غزة، وقال تقرير نشره موقع شبكة (بى بى سى) البريطانية على الإنترنت إن أكثر من 800 مسئول فى الولايات المتحدة وأوروبا وقعوا على بيان يتهمون فيه حكوماتهم بالتواطؤ فى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي وجرائم الحرب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.
لم تذكر الـ (بى بى سى) أسماء الموقعين على البيان، واكتفت بالقول إنهم موظفون حكوميون من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي و11 دولة أوروبية، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وإن نصفهم تقريباً مسؤولون يتمتع كل منهم بخبرة لا تقل عن عشر سنوات في العمل الحكومى، ونقلت قولهم فى البيان: “إن إسرائيل لم تظهر أي حدود في عملياتها العسكرية في غزة، التي أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين، كما منعت المساعدات بشكل متعمد، مما يعرض آلاف المدنيين لخطر المجاعة والموت البطيء، ورغم ذلك لم تحقق هدفها المتمثل في هزيمة حماس، وبدلاً من ذلك عززت جاذبية حماس وحزب الله وغيرهما”.
ويعد هذا البيان غير المسبوق أحدث مؤشر على وجود مستويات عالية من المعارضة داخل بعض حكومات حلفاء إسرائيل الغربيين الأساسيين، وعلامة على أن هناك خروجا متزايدا عن الصمت بين الموظفين الحكوميين، الذين يشعرون أن مصالح بلادهم مهددة بسبب انحياز الحكومات لإسرائيل، ولذلك فهم مضطرون لاتخاذ موقف الرفض العلني.
وفى المقابل لم يتبلور عندنا ـ للأسف ـ موقف مشابه للمثقفين العرب ضد التوحش الإسرائيلى، لدينا كتاب جيدون، وأدباء وشعراء وسفراء ووزراء وخبراء وأساتذة جامعات وفنانون لهم كتابات مقدرة لنصرة الشعب الفلسطينى، لكن ما فعله المسئولون الغربيون يشعرنا بالتقصير تجاه قضيتنا الأولى، لماذا لا يجتمع هؤلاء الأعلام العرب فى مؤتمرات، أو يصدرون بيانات جماعية تعكس موقفا عربيا قويا، يعبر عن المجتمع المدني، ويساند المواقف الرسمية، حتى نؤكد للعالم، وللمنظمات الدولية، أنه حين يتعلق الأمر بفلسطين فلن يكون للعرب إلا صوت واحد، داعم ومساند للحق الفلسطينى وللمقاومة فى مواجهة العجز الدولي؟
لقد مضى ما يقرب من أسبوعين على صدور قرار محكمة العدل الدولية، الذى يطالب إسرائيل باتخاذ تدابير لحماية المدنيين، وتجنب الأعمال التى توقعها فى جرائم الحرب والإبادة الجماعية، ومع ذلك لاتزال إسرائيل تتجاهل الحكم، وآلتها العسكرية لاتزال تعمل بنفس الوتيرة، ولا يمر يوم إلا وتشن فيه ما لا يقل عن 15 غارة، وتقتل فيه ما لا يقل عن 150 فلسطينيا، فى جريمة ممنهجة لإبادة البشر والحجر، بينما تقف المحكمة الدولية موقف المتفرج العاجز، وكذلك مجلس الأمن.
وحدها المقاومة هي التى تسطر المجد وتنتزع النصر انتزاعا، وقد اعترف بذلك العدو قبل الصديق، ونقلت الصحف الإسرائيلية عن يوسى كوهين رئيس الموساد السابق قوله إن المقاومة الفلسطينية تفوقت على الجيش الإسرائيلى وأسقطت هيبته، وسوف تحتاج إسرائيل إلى خمس سنوات لكي تسترجع عافيتها بعد حرب غزة، وستدفع ثمنا باهظا لاستعادة الرهائن.
ويتبنى هذا الموقف أيضا إيهود باراك وزير الدفاع ورئيس الوزراء الإسرائيلى الأسبق وعدد من الكتاب الإسرائيليين المتخصصين فى الشئون العسكرية، وخبراء عسكريون داخل وخارج إسرئيل، كلهم يؤكدون أن المقاومة انتصرت ميدانيا على الجيش الإسرائيلى، بينما لم تحقق حكومة نتياهو هدفا واحدا من أهدافها المعلنة.
وفى آخر مقال له بصحيفة (نيويورك تايمز) قال الكاتب اليهودى الأمريكى الموالي لإسرائيل توماس فريدمان: “إن إسرائيل خسرت على جميع الجبهات أمام المقاومة، كما خسرت معركة الدفاع عن روايتها أمام العالم، وفى ظل هذا الوضع الخاسر لن تستطيع إسرائيل أن تكسب حلفاء لها حتى فى حلف الناتو”.
فعلا، لقد انتصرت المقاومة، والحق ما شهدت به الأعداء.
“.










