مما يؤسف له -حقًا- أن هناك طائفة من النقاد يظنون أنه كلما أوغل الناقد في استخدام لغة متقعرة، ذات صعوبة، ومصطلحات وتراكيب غريبة، وأحيانا شاذة، قد تكون غير ملائمة لطبيعة العمل الأدبي الذي يتناوله بالنقد والتحليل، أنهم بذلك قد وصلوا إلى درجة كبرى، أو عالية في ميدان تخصصهم، وبهذا يهاب المتلقون والقراء هذا الناقد أو ذاك من تلك الطائفة، لاعتقادهم -خطأ- أنهم دونه معرفة، وأن تلك طبيعة النقد ولغته، مع أن الوضوح في عرض الرؤية والرأي من أهم سمات الناقد الجاد، لا المتحذلق، وتلك درجة من درجات الفصاحة والبلاغة.
وقد كان نقادنا القدامى محقين، وذوي نظرة عميقة، حينما عرفوا البلاغة بأنها “مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته”، بما أن البلاغة عدة الناقد للتأثير في المتلقي وإقناعه.
وتأسيسا على ذلك يمكننا القول إن من أمراض النقد الانعزالي التي أصابت الناقد المعاصر – وهي كثيرة – كما قد أصابت المثقف العربي بصفة عامة، تلك المفارقة التي تنطوي على مزيج من الشعور بالتعالي والدعة، في الوقت نفسه. وتتمثل هذه المفارقة – كما يقول الناقد والمفكر حسن البنا عز الدين بحق- في أن المثقف العربي -أكاديميا كان أم اجتماعيا- ينتدب نفسه لأداء أدوار اجتماعية يعجز عن النهوض بها، وعلة ذلك هو العجز في طبيعة عمله، أو بضاعته التي يعرضها على الجمهور ، وفي طبيعة الأدوات التي يتوسل بها لإنجاز تلك الأهداف في مجتمع لم تتعمم فيه تلك الوسائل بعد، الأمر الذي يضع مشروعه – المعرفي أو الالتزامي- أمام مأزق مستعصٍ على التجاوز. (حسن البنا عز الدين: مناهج البحث الأدبي، مقدمة نظرية ونماذج تطبيقية، الحضارة للنشر، ٢٠٠٩، ص ٢٤٠).
ومن أعراض هذه الأمراض أيضا ” مديح النفس و النرجسية الثقافية، والسادية الثقافية على السواء، إلى تعذيب الذات، الذي ينتج عند بعض المثقفين العرب عن الوعي اللاتاريخي الذي لا يأخذ سياق الأفكار وظروفها في الحسبان عند كل نقد ، في مقابل من يفعل ذلك منهم في مراجعة ماضيهم مراجعة سوية. أما الفوبيا الثقافية، فمن مظاهرها الشعور بالمؤامرة والمنزع العصابي الحاد إلى رفض ثقافة الآخر” (السابق، ص ٢٤٠)
وقد أشار الناقد والمفكر الراحل د.محمد عناني أيضا إلى عزلة الناقد وغربة النقد عن القارئ والمتلقي بقوله :”هدف الناقد أولا هو تشكيل الضلع الثالث في المثلث الذي يضم الكاتب والقارئ، أي أنه يوجه كلامه إليهما مثلما يتلقى منهما مادته، فإن عدم فهم القارئ إياه أو إساءة فهمه، وكذلك تعذر فهم الكاتب له أو سوء فهمه إياه، سوف يجعل الناقد كاتبا أو مفكرا أو دارسا يخاطب غيره من النقاد الذين يشاركونه مفاهيمه فحسب، وفي هذا من التغريب والغربة ما يهدد بإقصاء الناقد عن عملية الإبداع وعملية التذوق جميعا” ( محمد عناني: من قضايا الأدب الحديث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٥، ص ١٣).
وقد كان المفكر عبد الإله بلقزيز عميق الرؤية، حينما أشار إلى ذلك المثلث الإشكالي الذي يحكم علاقة الناقد والمثقف، بوجه عام، بالمعرفة والجمهور والسلطة، من حيث إن التأريخ لهذه العلاقة هو تأريخ لعلاقات من التوتر الإشكالي بين حدود متعارضة متنابذة: بين حد الأصالة والمعاصرة في الفكر والمعرفة، وحد الشعبوية والنخبوية في الوعي الاجتماعي والسياسي، وبين حد المعارضة والموالاة في علاقته بالسلطة، ولم تكن علاقات التوتر تلك، في الغالب، إلا عجزا مزمنا عن بناء مساحات للتركيب والتوازن بين المتناقضات.(عبد الإله بلقزيز: نهاية الداعية: الممكن والممتنع في أدوار المثقفين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ٢٠٠٠، عن حسن البنا عز الدين، مرجع سابق، ص ٢٣٦).
وفي تقديري، أن هذا العجز المزمن عن بناء مساحات للتركيب والتوازن بين المتناقضات، لا يزال يطبع علاقة الناقد العربي الحديث بمتلقيه؛ فتجلى في هذه النخبوية المشوبة بالغموض والتعمية، جراء استخدام مصطلحات ذات إشكالية لغوية ودلالية تنطوي على صعوبة بالغة بالنسبة للمتلقي، من حيث نقلها من لغات أخرى، غير العربية، مختلفة الدلالة عن السياق العربي، علاوة علي استمدادها من حقول معرفية أخرى، كالفلسفة والعلوم الاجتماعية والسياسية، وإقحامها في ميدان الأدب والنقد، من دون أن يكون قد تم التعريف بها جيدا، أو دراسة ملاءمتها للسياق الذي نقلت إليه، مما يؤدي إلى بروز فجوة واسعة بين الناقد ومتلقيه، ومن شأن هذه الفجوة أو الهوة، أن تسلمنا إلى عزلة ثقافية بين النقاد – باعتبارهم نخبة- وجمهور المتلقين.










