حكايةُ العشق التي نقشها الدانوبُ على جدران المدينة
في حاراتِ الحيِّ العتيقِ… هناكَ،
حيثُ الحجارةُ تحفظُ أسماءَ العاشقينَ
أكثرَ ممّا تحفظُ أسماءَ القياصرة والملوك،
التقَى نبضُكِ بنبضي،
فأضاءَ شارعٌ صغيرٌ
كانَ يظنُّهُ العابرونَ مجرّدَ طريق،
في الحي القديم،
فاكتشفَ أنّهُ أوّلُ دربٍ إلى الجنّة.
هناكَ…
بينَ الشرفاتِ التي علّقتها القرونُ
على كتفي الزمان،
تفتّحتْ في قلبي وردةٌ
لم تزرعها يدُ بستاني،
بل زرعتها ابتسامتُكِ الساحرة
حينَ مرّتْ على روحي
كما يمرُّ الفجرُ على قممِ الألب.
يا امرأةً
يا من جعلتْ من فيينا
قصيدةً تُقرأُ بالعينين،
ومن الحبِّ
لغةً لا تحتاجُ إلى ترجمان…
ما إنْ تشابكتْ أصابعُنا
حتى انحنتِ الأزقّةُ القديمةُ
تباركُ مولدَ الحكاية،
وأصبحت النوافذُ العتيقةُ
تصفّقُ لنا بستائرها،
وتناثرَ الياسمينُ
من شرفاتٍ لم تكنْ تعرفُ
أنَّ للعشقِ موعدًا
في ذلكَ المساءِ النمساويِّ الوديع.
كانَ الدانوبُ
يعبرُ بقربِنا هادئًا…
أمواجه لم تكنْ ماءً.
كانَ النهر عازفًا أزرق
يُخرجُ من مجراهُ
ألحانًا لم تُكتبْ
في دفاترِ الموسيقى.
وغنّى لنا…
حتى خُيّلَ إليَّ
أنَّ موزارت لو عادَ من صمتِه،
لجلسَ يصغي
ويطوي أوراقَهُ خجلًا،
وأنَّ يوهان شتراوس
سيكسرُ عصاهُ الذهبيةَ،
ويقولُ:
“لقد سبقتني قلوبُ العاشقين،
إلى سيمفونيةٍ
لا تُؤلَّفُ بالنوتات،
بل بنبضِ قلبين عاشقين.”
يا حبيبتي…
كلُّ شجرةٍ في غاباتِ فيينا
كانتْ تعزفُ لنا وترًا،
وكلُّ غصنٍ
كانَ يميلُ
ليشهدَ القسمَ الذي لم ننطقْ به،
لكنَّ الريحَ حفظتْهُ
وأخذت تردّدُهُ
بينَ أوراقِ الزانِ والصنوبر.
حتى البحيراتُ البعيدةُ
حينَ بلغها خبرُ حبِّنا،
ألبستْ مراياها ثوبَ الفضة،
وأرسلتْ أمواجَها الصغيرةَ
تزفُّ إلينا
أغنيةً من ضوءِ القمر.
أما المدينةُ…
فقد كتبتْ حكايتَنا
على جدرانِها العتيقة،
بحروفٍ من الضوء،
لا يمحوها مطرٌ،
ولا تُخفيها ثلوجُ الشتاءِ،
ولن يستطيع الزمنُ
أنْ يطفئَ وهجَها.
في الحي العتيق
كلُّ حجرٍ فيه
يحفظُ وقعَ خطواتِنا،
وتلامس أيدينا،
وكلُّ مقهى
ما زالَ يحتفظُ
ببخارِ قهوتنا
التي كانتْ ترتجفُ
حينَ كانتْ عيونُنا
تقولُ ما تعجزُ عنهُ اللغات.
أحببتُكِ…
حتى صارَ اسمُكِ
عنوانًا لخرائطِ المدينة،
وأصبحت فيينا
كلّما نطقتُها،
يخرجُ من بينِ حروفِها
عبيرُ شعركِ،
ويرتفعَ من نوافذِها
صوتُ قلبكِ،
وتتفتح في شوارعِها
كلُّ الفصولِ دفعةً واحدة.
فإنْ سألوني يومًا:
كيفَ يكونُ الوطنُ؟
قلتُ:
ليسَ حدودًا…
ولا رايةً…
ولا مدينةً.
الوطنُ…
امرأةٌ
التقيتُها
في زقاقٍ قديمٍ من فيينا،
فأصبحتِ المدينةُ كلُّها
تسكنُ عينيها…
وتقول لي بأنها الوطن.
وإنْ سألوني:
أيُّ سيمفونيةٍ
هيَ الأجملُ
في تاريخِ البشر؟
سأقولُ:
ليستْ لموزارت،
ولا لشتراوس،
ولا لهايدن،
ولا لأعظمِ من مرّوا
على مسارحِ الأرض.
إنّها تلكَ
التي عزفها الدانوبُ
ليلةَ احتضاني لك في حاراتُ فيينا.
شرارةَ حبِّنا الأولى،
اشعلت المدينةُ نورًا،
وما زالتْ،
إلى اليوم،
تضيءُ العالمَ
بقبلةٍ
بدأتْ بينَ قلبين،
وانتهتْ…
أغنيةً لا ينتهي صداها.










