الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله عرف حقيقة كذبة وزيف وخرافة القومية العربية قبل رحيله ، لكن بعد فوات الأوان ، بعد خراب مالطة ، و بعد تسخير مصر لخدمة الغير ، فمن هو الرجل الذي صنع وهم القومية العربية ؟ ، من هو ساطع الحصري الذي صاغ هذا الكابوس في عقول المصريين؟
فرانكشتاين القومية العربية …!!
■” سنحارب حتى أخر جندي مصري في اليمن “
” مصر الأخت الكبرى “
” لماذا لا يدخل المصريون المتخاذلون الحرب من أجلنا ” ؟
■ الكلمات السابقة ذكرت كثيراً على مدار التاريخ ، مصر تورطت في مستنقع حرب اليمن ، مصر كانت في عداء تام مع كل القوى الكبرى في العالم من أجل دعم الجزائر ، العرب شمتوا في جيش مصر بعد حرب 1967 م ، مصر تعرضت للخيانة مرات لا تعد ولا تحصى ، ثم تاريخ طويل من السباب والشتائم في مصر والمصريين حتى اليوم ، مصر تنال جزاء المهندس سنمار من الجميع
■ سمعت مصطلح القومية العربية بالتأكيد .
فهل تعرف السر وراء صناعة هذا المصطلح ؟!
■ إنه رجل واحد ، اسمه ساطع ، ساطع بن محمد هلال الحُصري ، أحد أهم رجال الحكم بالسر في القرن الماضي ، الرجل الذي ساهم في تدمير الهوية المصرية الجميلة الفريدة ، الرجل الذي اعلن الحرب المسعورة على حضارة وثقافة المصريين ، وله حكاية طويلة مثيرة
■ العام 1879 م ، في نفس التوقيت الذي اشتعلت فيه ثورة أحمد عرابي ضد أقوى رجال الحكم بالسر في مصر الخديوي توفيق ، وفي نفس الوقت الذي أعلن فيه توماس إديسون في أمريكا عن إختراع المصباح الكهربائي في حدث زلزل الأوساط العلمية في العالم ، ولد الطفل ساطع الحصري من أبويين سوريين في مدينة صنعاء باليمن
■ والد ساطع كان يعمل قاضياً ، لذا تنقل ساطع بين مدن كثيرة خلال سنوات قصيرة ، حتى استقر به المقام في عاصمة الدولة العثمانية إسطنبول ، وعمل بعد تخرجه في مهنة التدريس ، وسافر للتدريس في اليونان عام 1906 م ، وكان سفره لليونان حدثاً سيغير تاريخ مصر المحروسة تماماً
■ في اليونان ، انضم الشاب ساطع الحُصري إلى محفل رجال الحكم بالسر في سالونيك ، أصبح عضواً في جمعية الاتحاد والترقي التابعة للمحفل الشيطاني ، تلك الجمعية كانت تهدف إلى تغيير شكل جغرافيا الشرق الأوسط من جديد ، عن طريق إسقاط الخلافة المريضة للسلطان عبد الحميد الثاني ، مع بداية مرحلة تاريخية جديدة ، ومع نهاية الغرض من صناعة الخلافة العثمانية و وجودها
■ زامل الحصري مصطفى كامل أتاتورك ذئب الأناضول الشرس في الجمعية ، وتحدثت عن أتاتورك في كتابي ” 8 مدن وحكايات الجزء الأول ” و في كتاب ” ماوراء التاريخ ” ، الحصري صاغ مصطلحاً مهماً جديداً في تلك الفترة هو ” التتريك ” ، ويعني ببساطة تخلص الدولة التركية عن عبء العروبة ، ونشر الثقافة التركية في العالم العربي والنظر فقط إلى المصالح التركية العليا ، وقد نالت كتابات الحصري إعجاب أتاتورك بشدة
■ يقول المؤرخون أن التحول غير المفهوم لرجل محفل سالونيك الحصري جاء عام 1915 م ، ففي ذلك العام قام أحمد جمال باشا بإعدام معظم المثقفين العرب المشاهير في سوريا ولبنان بتهمة التعاون مع الإستخبارات الفرنسية و البريطانية بلا محكمة عادلة في مشهد يذكرك بآجواء فيلم ” حرب كرموز ” ، وهنا يتذكر الحصري منظر التتريك أصوله العربية ويتعاطف مع الضحايا ، ويقرر دعم الثورة العربية الكبرى ، التي صنعها رجل المخابرات البريطانية الشهير لورانس العرب من خلف الكواليس
■ المتأمل بهدوء في المشهد لن يجد أي تحول من الأساس ، وسيكتشف عدم صحة رأي المؤرخين ، مهمة جمعية الإتحاد والترقي كانت صناعة نظام سياسي جديد في الشرق الأوسط مع نهاية الحرب العالمية الأولى ، خطوة نحو إنشاء كيان الدولة التوراتية في القدس ، عبر تنفيذ إتفاقية سايكس بيكو اللعينة ، والحصري ينادي بالتتريك والتخلى عن عبء العروبة ، لا يوجد أي تعارض فعلى بين التتريك و بين دعم ثورة لعينة صنعتها المخابرات البريطانية
■ توطدت الصداقة بين صديقنا الحصري وبين رجل الإنجليز الأول في الشرق الأوسط الشريف حسين بن على ، بايع نجله الأمير فيصل بن على كحاكم عربي على سوريا ، واستقر الحصري في دمشق ، تم تعينه كوزير المعارف في سوريا الحبيبة مع منتصف العام 1920 م ، وبات الحصري من مراكز القوى الكبرى في دمشق
■ تلك الحقبة الزمانية تصيبك بالجنون ، حقبة مليئة بالخيانات والتفاصيل المضحكة إلى حد البكاء ، دون الخوض في تفاصيل كثيرة قد يمل منها القارىء وتخرجنا عن سياق الموضوع الرئيسي ، صدق أو لا تصدق ، فرنسا لم تكن راضية عن تعيين الأمير فيصل في دمشق ، وبعد مفاوضات شاقة تم تعويض الأمير فيصل بعرش العراق عام 1923 م ، وفي حاشيته بالطبع صديقه الصدوق ساطع بن محمد هلال الحُصري بطل قصة الليلة
■ من بغداد ، بدأت اللعنة ، كلعنة آل باسكرفيل في رواية شيرلوك هولمز المثيرة ، كلعنة البارون ملفن الذي واجهت نور ورفاقه في رواية السحاب الأحمر ، إنها لعنة القومية العربية التي يتمحور جوهرها حول مصر ، مضمونها لا وجود لهوية ثقافية مصرية ، بل هي هوية ثقافية عربية ، يجب سلخ المصريين من حضارة قدماء المصريين ، وإرتداء جلباب العروبة والقومية العربية الضيق المتسخ ، فمصر هي الأخت الكبرى المسئوولة عن رعاية كل العرب
■ حين قامت ثورة رشيد الكيلاني في العراق ضد النظام الملكي ، تم إبعاد الحصري المقرب من النظام الملكي ، وهنا تظهر المفارقة العجيبة ، ثورة رشيد الكيلاني ضد الإستعمار الخفي المسيطر على العراق تصبح العدو الاول لنبي القومية العربية التابع للنظام الملكي المدعوم من باريس ولندن
■ عاد ساطع إلى مسقط رأس والده في سوريا ، وكان صديقه السابق شكري القوتلي هو رئيس الجمهورية وقتها ، وهناك بدأ ساطع ينشر فكره بقوة ، وتم المزج بين فكره و بين تخاريف الشيوعية و وهم الإشتراكية ومبادىء حزب البعث ، فخرج مخلوقاً مشوهاً مثل مسخ فرانكشتاين بطل رواية ماري شيلى الكابوسية ، وبدعوة من الرئيس جمال عبد الناصر جاء ساطع الحصري إلى القاهرة ، ليبث سمومه في مصر
■كان الرئيس ناصر من المؤمنين بفكر الحصري عن القومية العربية ، عمل الحصري عميداً لمعهد الدراسات العربية العليا ، ثم مستشاراً ثقافياً لجامعة الدول العربية ، وفي القاهرة راجت فكرة عروبة الحصري رجل محفل سالونيك ، و كتبها الحصري صراحة ” نصرة العروبة هي حربنا الدائمة ضد دعاة الفكر الوطني في مصر “
■ في مصر ، دخل الحصري في صدامات متعددة كثيرة ، فكتب عن ضرورة خروج المصريين من لعنة الفراعنة ساخراً من الحضارة المصرية ، وكان يصف حضارة المصريين القدماء بحضارة الموتى و الحضارة الميتة ، هاجم الحصري العملاق العقاد الذي لم يكتب أي دعم لفكرة القومية العربية طوال سنوات ، بل تحفظ الأستاذ عباس محمود العقاد على فكرة القومية العربية ، وكان يرى فيها ظلماً لتاريخ مصر الممتد وظلماً لعالمية الدين الإسلامي الحنيف
■ كان الصدام الأشهر للحصري مع الدكتور طه حسين ، فعميد الأدب العربي كان يرى مصر أكبر كثيراً من اختزالها في البعد العروبي ، فهي حضارة ثرية لها مكوناتها وأقرب إلى تنوع ثقافة البحر المتوسط وحضارة الدول المطلة عليه ، فمصر أبعد ما تكون عن ثقافة الصحراء والبداوة ، حتى وإن كانت تتحدث العربية ، صدق طه حسين ، مصر حضارة تاريخية ممتدة ، دينها الرسمي الإسلام ، تعشق سيدنا عيسى عليه السلام والسيدة مريم العذراء البتول ، و الثراء الحضاري والمنظومة الأخلاقية وإحترام الأديان هم سر تميزها و تفردها ، ولا يمكن سجن مصر العظيمة في وهم القومية العربية ، مصر لن تتقدم سوى بالخروج من تلك الأوهام
■ حين تسمع اليساريين الحنجوريين يتغنون بمصطلح مسخ صنعه فكتور فرانكشتاين العرب ، تذكر تلك القصة العجيبة كمعظم القصص في عالمنا العربي ، قصة صانع القومية العربية السوري الذي ولد في اليمن ، وانضم إلى رجال محفل سالونيك الشيطاني ،و كان صديقاً لمصطفى كمال أتاتورك و شكري القوتلى والشريف بن حسين ، رجل ضرب الحضارة والثقافة المصرية في مقتل ، تأثيره مستمر حتى اليوم ، اسمه ساطع بن محمد هلال الحُصري
من كتابي السر الأعظم
رجال الحكم بالسر الكتاب الثالث










