اصطفاهم ربهم قبل بدء الخلق والناس أجمعين، اجتباهم ربهم في موعد كان القوم في سكرتهم يعمهون يترددون، انتقاهم ربهم لمرافقة ومعاضدة سيد الأولين والآخرين، فمدحهم بأرق بيان في كتابه المبين، فوعدهم الجنة في مقام أمين، فتوعد قادحهم بمهانة وحسرة إلى يوم الدين، فطوبى لهم ما وعدهم ربهم حقاً إلى يوم يبعثون، ذلكم الصحابة أنصاراً ومهاجرين، ذلكم الذين تبوءوا الدار والإيمان وهم في صلاتهم خاشعون، ذلكم الذين جادوا بالبر والإحسان وهم بحبل الله مستمسكون، ذلكم الذين أعرضوا عن المنكرات وعن اللغو هم معرضون، ذلكم الذين نصروا المستضعفين في الأرض من المسلمين وكبحوا جماح المتجبرين الكافرين، ذلكم الذين ثبتوا برباط الجأش في الميادين، ذلكم الذين ارتقوا بالإسلام جملة إلى أعظم رفعة في عليين، رضي الله عنهم في كل وقت وحين، هلموا بنا نبحر في أعماق السيرة النبوية لنغترف من كل السنود والمتون ما تقر به العيون، ولنقف هاهنا مع أحد الكواكب الدرية في المجموعة المحمدية، مع قبسٍ هو بحق من نور النبوة، مع أحد الوجوه المشرقة المشرفة التي لم ولن ينساها التاريخ وإن أبى الناس أجمعين، كم لي الفخر وأنا أسطر حرفاً بحرف من وراء حرف في كلمة في عبارة لاستخرج أكمل نص بحس أدبي رصين، عن ذي رجل جليل هو عمران بن حصين، إنه أحد الصحابة الذين التصقوا بكمال الإيمان لدرجة يعجز عن وصفها البيان، هو رجل أسلم فأسلم بإسلامه أبيه فقبل رأس أبيه ويديه وقدميه فبكى النبي صلى الله عليه وسلم من صنيع عمران، هو رجل كان يصافح الملائكة وتصافحه وتلك منقبة لا ينبغي أن تمر مر الكرام، ففي ذات يوم سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا رسول الله ما لنا إذا كنا عندك رقت قلوبنا وزهدنا دنيانا وكأننا نرى الآخرة رأي العين، حتى إذا خرجنا من عندك ولقينا أهلنا وأولادنا ودنيانا أنكرنا أنفسنا، فأجابهم رسول الله والذي نفسي بيده لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عياناً ولكن ساعة وساعة، فسمع عمران الحديث فأبى إلا أن تكون ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لرب العالمين ،، فبإيمانه هذا بلغ كرامة فائقة جعلته يُحدث الملائكة وتحدثه ويصافحها وتصافحه، فإذا ابتلاه ربه بمرض ظل يكتوي منه حيناً، انقطعت الملائكة عن مصافحته حتى تماثل للشفاء فعادت الملائكة تسلم عليه، ألا أنبئكم بفضائل الرجل عمران بن حصين فهي كالنجوم محلقة معلقة في جو السماء، فهو الذي كان يصافح الملائكة فتصافحه متفق عليه، وهو الذي بلغ بزهده مرحلة لا معقولة وغير مكروره إذ قال يوماً ( وددت أني رماداً تذروني الرياح ) وهو القائل أيضاً ( ما مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ثم هو ذاته عمران بن حصين يعتزل الفتنة ولا يُحارب فيها، ثم هو نفسه بن حصين يرتدي ثوب البطولة الفولاذية تحت راية رسول الله منذ خيبر وما تلاها، ثم هو ذاته عمران بن حصين يفوح نبلاً وإيمانا وعدلاً لما ولاه عمر بن الخطاب أمر البصرة فنال استحسان أهلها رغبة وطواعية، قال عنه الحسن البصري وابن سيرين ( لم يسكن أحد من أصحاب رسول الله البصرة يفضل عمران بن حصين ) تقي ورع زاهد حصيف عفيف كل هذا في عمران بن حصين، والأجمل أنه كان يصافح الملائكة وتصافحه، هل من عارف لعمران بن حصين الخزاعي ؟










