الخصومة القضائية هي الإطار الإجرائي والمظلة القانونية التي يلجأ إليها صاحب الحق لحماية حقه المعتدى عليه. تبدأ بالمطالبة القضائية وتنتهي بصدور حكم. تعد الخصومة أداة ضرورية لتحقيق العدالة وضمان عدم لجوء الأفراد لاستيفاء حقوقهم بأنفسهم،
وتمر بعدة مراحل أساسية تضمن حقوق جميع الأطراف. الدعوى القضائية هي مجرد الطلب الذي يقدمه المدعي، بينما الخصومة هي مجموعة الإجراءات القانونية المترابطة التي تنشأ بعد رفع الدعوى. وتولد الخصومة التزامات وحقوقاً متبادلة بين الخصوم من جهة، وبينهم وبين المحكمة من جهة أخرى (مثل الالتزام بتقديم الأدلة، واحترام حق الدفاع).
على الرغم من اتفاق الفقه القانوني على مضمون الخصومة القضائية وجوهرها إلا أنهم اختلفوا في تعريفها، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى الاختلاف في وجهة النظر التي تأثر بها كل جانب منهم عند وضعه للتعريف الخاص به، فهناك من كان متأثراً بمعنى الخصومة في أصول اللغة والتي يقصد بها النزاع، وعرفها بأنها الخطوات والإجراءات التي يتم من خلالها طرح النزاع وعرضه على المحكمة المختصة بنظره ونتيجته التي تحدد مركز قانوني معين لكل من طرفي النزاع.
بينما تأثر جانب آخر بوجهة نظر أخرى فحواها أن الخصومة القضائية هي نتاج إقامة الدعوى القضائية، وبناء على وجهة النظر تلك قام هذا الجانب بتعريفها على أنها وضع قانوني ينتج عن البدء في إجراءات إقامة الدعوى القضائية وما يترتب عليها من علاقات قانونية تنشأ بين الخصوم.
وعرفت أيضاً من قبل جانب ثالث من الفقه بأنها مركز قانوني يتسم بطبيعة إجرائية، ويتحقق بين أطراف الدعوى منذ وصول التكليف بالحضور للخصم (المدعى عليه)، ويظل قائماً إلى أن يصدر في الدعوى حكماً فاصلاً فيها، ويترتب على ذلك المركز القانوني حقوق والتزامات تثقل كاهل أطراف النزاع والقاضي المعروض عليه النزاع
واتجه البعض إلى وصفها بأنها إجراء مركب يبدأ بسلوك المدعي طريق المطالبة بحقه قضائياً، ويستمر هذا الإجراء طوال فترة تداول المحكمة لتلك المطالبة، وينتهي نهاية طبيعية بإصدار المحكمة لحكمها الذي تنهي به هذه المطالبة، ويخضع هذا الإجراء لنظام محدد قرره المشرع في القانون، بحيث لا تترك الخصومة لأهواء الخصوم ولا لتقدير المحكمة.
وفي واقع الأمر فإننا نرى أن الخصومة القضائية على الرغم من اختلاف الفقه القانوني حول تعريفها، إلا أنها لا تخرج عن كونها وسيلة يتم من خلالها تنفيذ القانون عن طريق القضاء، وتعتبر بمثابة جملة من الإجراءات التي تتم وتتخذ منذ اللحظة التي أقيمت فيها الدعوى، مروراً بتداولها أمام المحكمة المختصة، وتنتهي بصدور الحكم الفاصل في الدعوى، كما أنها قد تمتد بعد صدور الحكم في الحالة التي يقوم فيها أحد الخصوم بالطعن على هذا الحكم.
يشترط في الخصومة القضائية بجانب شرط المصلحة شرط آخر وهو شرط الصفة، حيث يلزم أن تقام الخصومة وتباشر من قبل من يتمتع بالصفة في إقامتها، أي أن يكون من يقيمها ويباشرها هو صاحب الحق أو المركز القانوني الذي تعقد بشأنه الخصومة، بغض النظر عن كونه شخصاً من الأشخاص الطبيعية أو المعنوية، بحيث لا تقبل الخصومة متى عقدها وباشرها من ليس له صفة فيها.
فالصفة هي الأحقية التي تثبت لدى الشخص في أن يطالب بحق أو مركز قانوني ما أمام القضاء، وتقوم الصفة على توافر المصلحة المباشرة والشخصية لدى عاقد الخصومة في عقدها، فلا يشترط أن يكون الخصم قد انضم للخصومة منذ بدايتها، حيث يمكن إدخاله فيها واختصامه خلال مرحلة تداول الخصومة وسيرها أمام المحكمة أو أن يتدخل فيها هذا الخصم بإرادته الشخصية، ويصح ذلك طالما له مصلحة مباشرة وشخصية في موضوع تلك الخصومة.
اقر الدستور الحقوق والحريات التي يتمتع المواطنون سواء كانت حقوق مدنية وسياسية او حقوق اقتصادية واجتماعية ،ومن بين هذه الحقوق التي كفل الدستور التمتع بها للمواطنين الحق في التقاضي او ( الترضية القضائية ) وذلك بموجب نص المادة 68 من الدستور التي تنص على أن ” التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقرير جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا“
والحكمة من ترك الدستور للقانون مهمة تنظيم الحقوق والحريات الدستورية هي ضمان عدم تعارض ممارسة أيا من الأفراد لهذه الحقوق أو تلك الحريات مع ممارسة غيره من الأفراد لها أما إذا تدخل القانون تحت ستار التنظيم وصادر الحق تماما فانه بذلك يعد قد انتهك الدستور [3] .ليس فقط على مستوى المخالفة الحرفية لظاهر النص ولكن على مستوى التوجه العام المنوط بالقانون إتباعه وهو أن يكون القانون أساسا ضمانا لحرية الفرد ومشروعية السلطة إعمالا لوثيقة إعلان الدستور التي تنص في إحدى فقراتها على ان سيادة القانون ليست ضماناً مطلوباً لحرية الفرد فحسب ، لكنها الأساس الوحيد لمشروعية السلطة في نفس الوقت .وحق الافراد فى التقاضى حق اصيل ، اذ بدونه يستحيل عليهم ان يأمنوا على حقوقهم الاخرى او يردوا الاعتداء عليها ، ونظام الحكم لا يمكن ان يعتبر ديمقراطيا الا اذا كفل للافراد حق الالتجاء للقضاء وباعد بينهم وبين كافة معوقات ممارسة هذا الحق ، لا سيما بعد تزايد احتياج المواطنين للجوء للقضاء بعد ان قللت الدولة من تدخلها وقامت ببيع اغلب المصانع والقطاعات المملوكة لها للمستثمرين الافراد او تحويلها لقطاع الاعمال العام ، وهو ما كان مصحوبا بمساس بحقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية – العمال منهم تحديداً – ومغالاة وشطط من قبل اصحاب الاعمال فى العسف بكافة الضمانات القانونية المقررة لصالحهم ، مما يجعل القضايا العمالية من اكثر القضايا تداولاً امام ساحات المحاكم المصرية ، ولا جدال فى ان كفالة حق العمال – والمواطنين عموماً – فى التقاضى يبعث فى نفوسهم الرضا والطمأنينة والايمان بالعدل ، وان حرمانهم من هذا الحق او وضع عوائق سابقة او لاحقة على ممارسته يبعث فى نفوسهم الشعور بالظلم والاحساس بالقهر ، لذلك ليس من المبالغة ان يقول البعض ان استطاعة كل مواطن ان يجد قاضيا هى الحرية الاولى بين كل الحريات لانها ضمان سائر الحريات [4] ، وهو ما يتنافى مع النصوص المدفوع بعدم دستوريتها ، حيث انها تفتح الباب امام القضاة لتقدير رسوم باهظة على من يخسر الدعوى ، سوف تكلفه اضعاف اضعاف الحق الذى يطالب به ، وهو ما يعتبر بمثابة جزاء ضمنى لاحق لمجرد ان احد الافراد قرر اللجوء للقضاء لاستعادة حقه الذى انتهك على يد صاحب العمل ، وهو ما يتنافى مع كافة المبادىء الدستورية التى تكفل الحق فى التقاضى . ولما كان ما انتهت إليه أوامر تقدير الرسوم الصادرة ضد المتظلم وفقاً للنصوص القانونية سالفة الذكر من شأنها تقييد حق التقاضي، وتشييد أسوار من الرهبة فى نفوس المواطنين تحول دون لجوئهم للقضاء خوفاً من السقوط في شباك أوامر تقدير الرسوم الباهظة، فهذه الرسوم تعد شكلا من أشكال العقوبة اللاحقة على ممارسة الحق فى التقاضى، وهو ما يتنافى مع كافة المبادىء الدستورية التي تكفل الحق في التقاضي سواء المنصوص عليها في الدستور المصري أو تلك التي أرستها المحكمة الدستورية العليا، فان المتظلم يدفع بعدم دستورية نص المادة 6 من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 ، ونصوص المواد 14 ، 16 من القانون رقم 90 لسنة 1944 والمواد 15 ، 18 من القانون رقم 91 لسنة 1944 والمادة 13 من القانون رقم 1لسنة 1948 لمخالفة هذه النصوص للمواد 8 ، 40 ، 64 ، 68 ، 69 من الدستور المصري ، وذلك تأسيساً على الدفاع الآتى :
اولاً :- جواز تنظيم حق التقاضى وعدم جواز تقييده باجراءات سابقة او لاحقة.
ضمن الدستور بنص المادة 68 منه حق كل مواطن فى اللجوء للقضاء انتصافا مما قد يقع عليه من عدوان ، وهو ما يدل على ان حق التقاضى فى الاصل من الحقوق المقررة للناس جميعاً ، لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال النفاذ اليها او ممارستها ، وانما تتكافأ مراكزهم القانونية فى سعيهم لرد الاخلال بالحقوق التى يدعونها ، ولتامين مصالحهم التى ترتبط بها ، بما مؤداه ان ارهاق المتقاضين برسوم ومصروفات قضائية باهظة لاحقة على الحكم فى الدعاوى يعد عملاً مخالفاً للدستور ، الذى لم يجز الا تنظيم هذا الحق ، وجعل المواطنين سواء فى الارتكان اليه ، وبالتالى فان بقاء تلك النصوص المدفوع بعدم دستوريتها تكرس بقاء العدوان على حق التقاضى
ثانيا:- مضمون حق التقاضي ومداه .
يرتبط النفاذ الى القضاء من اجل الترضية القضائية بانتهاء الخصومة من حيث كون كليهما عنصرا الحق فى التقاضى ، ويشكلان مضمونه ومداه ، وهو ما يعنى ان حق التقاضى يفترض بداهة تمكين كل متقاض من النفاذ الى القضاء نفاذاً ميسراً غير محملا باعباء مالية ، ولا تحول دونه عوائق اجرائية ، وان الطريق اليه معبداً لا يحتوى عقبات من شأنها ان تحول بين الافراد وبين اللجوء للقضاء سواء فى مرحلة ما قبل بدء الخصومة ، ام فى مرحلة ما بعد انتهاء الخصومة ، ومدى حق التقاضى ، هو الا يترتب على لجوء احد الاشخاص للقضاء ، اثقاله بمبالغ مالية باهظة تحت مسمى مصروفات ورسوم قضائية ، والا عدت تلك الرسوم والمصروفات بمثابة جزاء لاحق على انتهاء الخصومة ، يرزح تحت نير ه خاسر الدعوى ، ليس لشىء الا لانه خسر دعواه ، على الرغم من ان خسرانه لها ليس بسبب ان المحكمة اكتشفت اسائته استعمال حقه فى التقاضى ، وانما صدر الحكم برفض الدعوى عن طريق الخطأ فى تطبيق القانون من قبل المحكمة ، ذلك ان الخصومة القضائية لا تقام للدفاع عن مصلحة نظرية ، بل تقام على اساس فى الواقع العملى ، يسانده احتياج المتقاضى للترضية القضائية لرد حقه المنتهك من قبل احد الافراد الاخر فى المجتمع ، وبالتالى فالزام من يخسر الدعوى بمصروفات ورسوم باهظة ،من شأنه ان ينأى بالافراد عن اللجوء للقضاء من اجل استرداد حقوقهم المسلوبة ، وسيسود قانون ان القوة هى التى تنشىء الحق وتحميه ، وليس القانون هو الذى ينشأ الحق
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










