في عربة القطار التي غابت فيها أصوات المحطات خلف هدير العجلات، جلستُ أمامها للمرة الأولى. كانت تحمل في يدها حقيبة جلدية صغيرة، وعلى صدرها حرْف “A” منمّق، كأنه توقيعٌ لمصيرٍ مُعدّ سلفًا. نظرت إليها، فالتقطتُ لمحةً من تلك الغصّة الدفينة في عينيها؛ عينان سوداوان، تشعّان تعبًا وحكايا لا يُفسّرها الكلام.
اسمها أيدة، وُلدت في مخيّم صبرا وشاتيلا، وترعرعت بين جدرانه التي حفظت أسماء القتلى وأحلام الناجين. منذ الطفولة، كانت تحمل خريطة الشتات في عينيها، وتحفظ أغنية الوطن من خلف الأسلاك. التقيتها صدفة في محطة ميونيخ، أنا قادمٌ من جبال الألب، وهي هاربةٌ من صمتٍ ثقيل خلفته الغربة. لم يكن لقاؤنا مخططًا، لكنّه بدا كما لو أنه مكتوب على حافة منفى طويل.
حين صعدنا القطار إلى برلين، سقطت دمعتها الأولى بصمتٍ على وجنتها وهي تستمع لأغنية “أول قضية حب” لوردة. لم تكن تبكي الأغنية، بل تبكي كل ما جاءت الأغنية لتوقظه من مقابر الذاكرة. قلتُ لها بصوت خافت: — تحبين وردة؟ ردّت وكأنها تعترف لمرآتها: — هذه الأغنية كانت تهدهد أمي كل مساء في المخيم، ثم أصبحت أنشودتي الوحيدة بعده… بعد أن اختار زوجي الشهادة في قصف إسرائيلي على شطّ الحمّامات. لم يمضِ على زواجنا سوى أشهر.
صمتت، ثم أضافت:
— تركني وذهب مع التنظيم، وترك لي هذه الغصة.
طوال الرحلة، لم نتبادل كثيرًا من الكلمات. الصمت بيننا كان أوضح من الكلام، كأن القطار نفسه صار شاهدًا على حديثٍ داخلي لا يُقال. رأيتها تراقب المدى من خلف زجاج العربة، تلمّس ضوء المدن البعيدة بعينيها كأنها تقرأ خرائط المنفى.
حين وصلنا إلى برلين، ابتسمت ابتسامة مرتعشة وقالت: — هذه المدينة لا تمنح أحدًا خلاصًا… فقط تقدم بدايةً جديدة لجرحٍ قديم.
مشينا سويًا نحو حي كروزبرغ، وهناك، في مقهى صغير قرب زاوية منسية، أخبرتني عن النساء اللواتي ضمّدن جراح بعضهنّ في المخيّم، عن أمها التي كانت تدفن الخبز في أرض الغرفة لتخبئه من القصف، عن أختها التي ماتت وهي تنتظر تصريحًا لعبور الحدود. شاركتني وجعًا صامتًا، لم يكن بكاءً بل نَفَسًا محبوسًا منذ عقود.
سألتها وأنا أتأمل بخار الشاي بيننا: — هل تظنين أن الحياة تمنحنا فرصة ثالثة؟
أجابت وهي تغمض عينيها:
— لا… الحياة لا تُعيد كتابة نفسها، لكنها تسمح لنا بسرقة فصلٍ جديد من بين سطور الألم.
طلبت مني أن أبقى يومًا إضافيًا، فقد علمت أن الشاعر العراقي مظفر النواب سيحيي أمسية شعرية في برلين. دخلنا القاعة المزدحمة، وأنا أراها كأنها في حضرة وطنها المفقود. وحين صدح مظفر بصوته المكسور: “القدس عروبتكم… فكيف سمحتم لكل زناة الليل أن يدخلوا حجرتها؟”
ارتجّت القاعة بالهتاف، وانهمرت دموعها كما لو أن القصيدة نبشت مذبحة كانت مدفونة في قلبها. أمسكتُ يدها، فلم تتكلم. كلانا كان يعلم أن تلك القصيدة لم تكن شعرًا، بل مرآة.
في المساء، طلبت أن ترافقني إلى هامبورغ، تزور بعض الأقارب هناك، وتؤنس وحدتي في الرحلة. وصلنا إلى محطة هامبورغ وكان الثلج يتساقط بخفة. قالت بصوتٍ خافت:
— كأن هذه المحطة رأتنا وخافت أن توقظنا من هذا الحلم.
مشينا في طرقات المدينة، والتقينا بعضًا من معارفها. زرنا مسجد المهاجرين قرب المحطة، وهناك استراحت قليلًا، وكأنها في حضنٍ مؤقت يعيد لها بعضًا من ملامح الأمس.
قضينا أيامًا في هامبورغ. وحين جاء موعد العودة، وقفت في محطة البنهوف، وعيناها تبوحان بما عجز عنه اللسان. قالت:
— جمعتنا الصدفة في قطار، وغيرت مسار رحلتي… لكن غلاب يا حكم القدر، ماناش معك حيلة، والحب عند القدر مالوش حيلة. لازم نفترق.
ودّعتها، وعدتُ وحدي إلى برلين. جلستُ في مقعدي بجوار النافذة، وكان الثلج يواصل نزوله، وكأنه يغسل آخر لحظات الوداع. رأيت وجهها في الزجاج المرتجف، كأنني أودّع نفسي القديمة. لم أعد أعلم: هل كانت أيدة، أم ياسمين، أم صورة لوطن كنت أطارده طوال حياتي؟
كانت على رصيف المحطة، تلوّح بيدٍ مرتجفة، وشفتيها تهمسان:
— ربما نلتقي… أو لا.
لم تكن لحظة رومانسية كما في الأفلام، بل لحظة كاشفة، صامتة، فيها من الألم أكثر مما تحتمل الروح. وها أنا، في المنفى، أكتشف أنني لم أكن أبحث عن وطن… بل عن وجهٍ يطمئنني أنني لستُ وحدي.
ما زالت أغنية وردة تُحاصرني:
“غلاب يا حكم القدر… مش هقولك الوداع… لا تختبر دمعي.”
وما زالت رائحة نصف التفاحة التي اقتسمناها تُشعل دفئًا في أصابعي، كلما تذكرتُ أنني كنتُ يومًا حيًّا… على متن قطار، بلا قضبان، وبلا نهاية….!!
كاتب وباحث مصري
متخصص في الشأن الجيوسياسي ،saadadham976@gmail.com










