رويترز
واجه مفتشو الأمم المتحدة الذين يراقبون موقع فوردو النووي الإيراني فجوة كبيرة في معرفتهم العام الماضي، بينما كانوا يشاهدون شاحنات تنقل أجهزة طرد مركزي متطورة لتخصيب اليورانيوم إلى المنشأة المحفورة في جبل جنوب طهران.
وبينما كانت إيران قد أخطرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها ستُركّب مئات إضافية من أجهزة الطرد المركزي من طراز “IR-6” في فوردو، لم يكن لدى المفتشين أي فكرة عن مصدر هذه الآلات المتطورة، حسبما قال مسؤول مطلع على عمل الوكالة الأممية لـ”رويترز” بشرط عدم الكشف عن هويته.
تلخص هذه الحادثة كيف فقدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قدرتها على تتبع بعض العناصر الحرجة في أنشطة إيران النووية منذ أن تخلّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتفاق 2015 الذي فرض قيودًا صارمة وإشرافًا مكثفًا للوكالة.
تشمل نقاط الضعف الرئيسية عدم معرفة عدد أجهزة الطرد المركزي التي تملكها إيران أو أماكن تصنيع هذه الآلات وأجزائها وتخزينها، بحسب ما تظهره تقارير ربع سنوية للوكالة. كما فقدت الوكالة القدرة على إجراء عمليات تفتيش مفاجئة في مواقع لم تعلن عنها إيران.
وقد بدأت الولايات المتحدة محادثات جديدة مع إيران تهدف إلى فرض قيود نووية جديدة على طهران. ولكن، لكي ينجح أي اتفاق، يتعين سد هذه الثغرات التي تواجه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحسب أكثر من 12 شخصًا مطلعين على أنشطة إيران النووية، بمن فيهم مسؤولون ودبلوماسيون ومحللون.
قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: “هناك فجوات في معرفتنا ببرنامج إيران النووي يجب معالجتها من أجل الحصول على فهم أساسي لحجمه الحالي ونطاقه”. وأضاف: “قد يستغرق جمع هذه القطع شهورًا، لكنه أمر حاسم إذا كان من المفترض أن تثق الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأطراف المفاوضات في الفوائد المتعلقة بمنع الانتشار النووي لأي اتفاق”.
رفضت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تخضع لـ180 دولة عضو، التعليق على هذا المقال. كما لم ترد وزارة الخارجية الإيرانية ومنظمة الطاقة الذرية الإيرانية على طلبات التعليق.
طالما أكدت إيران أنها كانت مخوّلة بإلغاء التزاماتها بالرقابة المعززة للوكالة الدولية للطاقة الذرية بموجب اتفاق 2015 بعد انسحاب الولايات المتحدة من جانب واحد. وهي ترفض الاتهامات الغربية بأنها تُبقي خيار إنتاج سلاح نووي مفتوحًا، مؤكدة أن أهدافها سلمية تمامًا.
ومع ذلك، حققت الجمهورية الإسلامية تقدمًا كبيرًا في تخصيب اليورانيوم في السنوات الأخيرة.
عندما أبرمت الولايات المتحدة والقوى العالمية الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، كان الهدف من ذلك تقليص “الوقت اللازم للوصول إلى إنتاج سلاح نووي” – وهو الوقت الذي تحتاجه إيران لإنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لقنبلة نووية واحدة – إلى عام واحد على الأقل، من خلال تحديد نقاء التخصيب بأقل من 4%.
الآن، يكاد ذلك “الوقت اللازم للوصول إلى إنتاج سلاح نووي” أن يكون قد اختفى. إذ قامت إيران بتركيب أجهزة طرد مركزي أكثر تقدمًا وتخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60%، وهي نسبة قريبة جدًا من نسبة 90% اللازمة لصنع أسلحة نووية.
ووفقًا لتقرير سري للوكالة الدولية للطاقة الذرية صدر في عطلة نهاية الأسبوع، تمتلك إيران ما يكفي من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى لصنع تسعة أسلحة نووية إذا ما خُصّب بشكل أكبر، وفقًا لمعيار الوكالة.
وأضافت الوكالة أنه لم تقم أي دولة أخرى بتخصيب اليورانيوم إلى مثل هذه النسبة العالية دون إنتاج أسلحة نووية. علمًا بأن محطات الطاقة النووية غالبًا ما تستخدم وقودًا مخصبًا بنسبة تتراوح بين 3% و5%.
وقال مسؤول أوروبي يتابع برنامج إيران النووي لـ”رويترز” إن البرنامج النووي الإيراني أصبح متقدمًا جدًا بحيث إنه حتى لو تم إغلاقه بالكامل، يمكن للإيرانيين إعادة تشغيله وإعادة بنائه في غضون بضعة أشهر.
بعد خمس جولات من المفاوضات بين المفاوضين الإيرانيين والأميركيين، ما تزال عدة عقبات قائمة. من بينها رفض إيران لمطلب أميركي يقضي بالتعهد بإلغاء التخصيب، ورفضها شحن مخزونها الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج.
نظرًا لأن نافذة استعادة “الوقت اللازم للوصول إلى إنتاج سلاح نووي” لعام كامل، كما في 2015، قد أُغلِقَت، سيتعين على أي اتفاق جديد بدلًا من ذلك أن يعزز إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية على البرنامج النووي، وفقًا للمسؤول الأوروبي الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرًا لحساسية الموضوع.
منذ نحو ثلاث سنوات، أمرت إيران بإزالة جميع معدات المراقبة والإشراف التي أضيفت بعد اتفاق 2015، بما في ذلك كاميرات المراقبة في ورش العمل التي تصنع أجزاء أجهزة الطرد المركزي. وفي ذلك الحين، كانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد فقدت بالفعل الوصول إلى
لقطات تلك الكاميرات لأكثر من عام.
وبينما ترى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حوالي 20 ألف جهاز طرد مركزي مركب في منشآت التخصيب الإيرانية، فإنها لا تعرف عدد الأجهزة الإضافية التي تم إنتاجها في السنوات الأخيرة والتي قد تكون موجودة في أماكن أخرى.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية أمر حاسم للمجتمع الدولي لفهم المدى الكامل لبرنامج إيران النووي، مضيفًا مع ذلك أن من غير مصلحة الولايات المتحدة “التفاوض بشأن هذه القضايا علنًا”.
إيران ترفض مطلب أميركي بشأن التخصيب
الاتفاق الذي أبرم في عهد أوباما عام 2015 حدّ من درجة نقاء اليورانيوم التي يمكن لإيران الوصول إليها عند 3.67%، وهو ما يقل بكثير عن نسبة 20% التي كانت قد بلغتها آنذاك، وقيّد عدد ونوعية أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران استخدامها وأماكن استخدامها. كما لم يكن التخصيب مسموحًا به في فوردو.
في المقابل، وافقت إيران على عمليات التفتيش المفاجئة وعلى توسيع إشراف الوكالة ليشمل مجالات مثل إنتاج أجهزة الطرد المركزي ومخزون ما يُعرف بـ”الكعكة الصفراء” التي لم تُخصب بعد.
وأظهرت تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران التزمت بالقيود المفروضة على العناصر الأساسية في برنامجها النووي، بما في ذلك التخصيب، حتى بعد أكثر من عام من انسحاب ترامب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى. وكان الرئيس الأميركي قد وصف الاتفاق بأنه “اتفاق مروع أحادي الجانب” لأنه لم يتناول قضايا أخرى مثل برنامج إيران للصواريخ الباليستية أو دورها في النزاعات الإقليمية.
وأدى انسحابه إلى رد فعل إيران، حيث تجاوزت في نهاية المطاف حدود التخصيب وأعداد أجهزة الطرد المركزي، وألغت الرقابة الإضافية للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي طُبّقت بعد اتفاق 2015.
ومع ذلك، ما زالت إيران تسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول منشآتها بانتظام في إطار التزاماتها الأطول أمدًا كطرف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي لا تفرض حدًا أقصى على مستويات التخصيب ولكنها تشترط استخدام التكنولوجيا النووية لأغراض سلمية.
بدأ المفاوضون الأميركيون والإيرانيون محادثاتهم النووية الجديدة في أبريل، بعد تهديد ترامب باتخاذ عمل عسكري إذا لم يُبرم اتفاق.
وقال المدير العام للوكالة رافائيل غروسي في واشنطن في أبريل إنه من المهم أن تقبل إيران بـ”قيود ضرورية” لتمكين وكالته من طمأنة العالم بشأن نوايا إيران، دون تحديد ماهية هذه القيود. وأضاف الأسبوع الماضي أن أي اتفاق جديد يجب أن ينص على “رقابة قوية جدًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية”.
تقول الوكالة حاليًا إنها لا تستطيع “تأكيد أن برنامج إيران النووي سلمي تمامًا”.
إكمال اللغز
لطالما توقع دبلوماسيون أن أي اتفاق جديد سيكلف الوكالة الدولية للطاقة الذرية بوضع ما يسمى بـ”الخط الأساسي”، وهو صورة كاملة توضح وضع كل جوانب برنامج إيران النووي، لملء الثغرات في معرفة الوكالة قدر الإمكان.
وسيكون وضع هذا الخط الأساسي صعبًا بشكل خاص، نظرًا لأن بعض نقاط الضعف استمرت لفترة طويلة بحيث لا يمكن ملؤها بالكامل. وقد قالت الوكالة في تقاريرها ربع السنوية للدول الأعضاء إنها فقدت “استمرارية المعرفة” ولن تكون قادرة على استعادتها فيما يتعلق بالإنتاج والمخزون من أجهزة الطرد المركزي وأجزاء معينة منها والكعكة الصفراء.
قال إريك بروير، وهو محلل استخباراتي أميركي سابق يعمل الآن في “مبادرة التهديد النووي” (وهي منظمة غير حكومية معنية بالأمن ومقرها واشنطن): “تجميع هذا اللغز سيكون جزءًا أساسيًا من أي اتفاق. ونعلم أن وضع هذا الخط الأساسي الجديد سيكون صعبًا”.
وأضاف: “سيعتمد ذلك جزئيًا على مدى تعاون إيران”.
ومع ذلك، هناك خطر كبير من أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ستظل تفتقر إلى صورة كاملة عن أنشطة طهران، حسبما أشار.
وقال: “هل هذا الغموض مقبول بالنسبة للولايات المتحدة؟” وأضاف: “سؤال مهم”.










