معيار العوائد هو الجوهر الحقيقي للإستثمار الرياضي الناجح
في زمن تُنفق فيه مئات الملايين على شراء اللاعبين، وتُبنى فيه ملاعب بمواصفات خيالية، يتساءل كثيرون هل الاستثمار الرياضي يُقاس بما ( يُنفق أم بما يُحصد؟) ، فالحقيقة أن التجارب العالمية أثبتت أن النجاح الحقيقي لأي استثمار رياضي لا يُقاس بحجم الإنفاق، بل بحجم العوائد المستدامة التي يُنتجها هذا الإنفاق ، فالعبرة ليست في من يدفع أكثر، بل في من يُجيد توجيه كل دولار لتحقيق قيمة تجارية، جماهيرية، وتسويقية تضيف إلى الصناعة الرياضية ولا تستنزفها،
وعلى مستوى الدول تؤكد التجارب أن حجم الإنفاق وحده لا يضمن نجاح المشروع الرياضي، بل إن الرؤية الاقتصادية، والتكامل المؤسسي، والربط مع السياحة والتعليم والإعلام هي ما تصنع القيمة، فدول مثل ( أمريكا، اليابان، وأستراليا) لم تُنفق فقط، بل أحسنت البناء، بينما دول ( كالبرازيل وجنوب أفريقيا) تكبّدت خسائر رغم الزخم العالمي، لغياب التخطيط طويل الأمد ، وفى السياق التالي مناقشه تحليلية لهذا الشأن بصورة تتوافق مع الممارسات العالمية:
أولا :- ريال مدريد – إسبانيا
برغم ضخامة الإنفاق، إلا أن ريال مدريد يُعد نموذجًا للاستثمار الذكي ، فنجاحه لا يكمن فقط في التتويجات، بل في عوائده الاقتصادية غير المسبوقة، حيث حقق في موسم 2024–2025 إيرادات بلغت 1.185 مليار يورو، دون احتساب مبيعات اللاعبين ، والسر في ذلك ؟ يكمن في تنويع مصادر الدخل من ( البث، والرعاية، والتوسع العالمي في العلامة التجارية) .
ثانيا :- برايتون – إنجلترا
والذي يعد أحد أفضل أمثلة “الاستثمار الرشيق”. أنفق النادي القليل مقارنةً بالعمالقة، لكنه حقق أرباحًا ضخمة من بيع اللاعبين (مثل كايسيدو ومويزيس)، وتمكن من تثبيت مكانته في الدوري الإنجليزي، وأصبح علامة استثمارية ناجحة في إدارة المواهب.
ثالثا :- بايرن ميونخ – ألمانيا
حيث يتّبع هذا النادي نموذج “الإنفاق العقلاني والعائد المستدام” ، فالنادي يحقق أرباحًا تشغيلية مستمرة، ويعتمد على الاستثمار في أكاديميات الشباب والبنية المؤسسية، وليس فقط على التعاقدات الباهظة.
رابعا :- مانشستر يونايتد – إنجلترا
مثال رياضي معاكس يُظهر أن الإنفاق الهائل دون استراتيجية عوائد واضحة يؤدي إلى تراجع الأداء المالي، رغم ضخامة الإيرادات التجارية.
خامساً :- الولايات المتحدة الأمريكية – رياضة الـNFL وNBA والـMLB ، فأمريكا لا تُنفق فقط بسخاء، بل تُحوّل الرياضة إلى صناعة تجارية ضخمة ، حيث نجد دوري كرة القدم الأمريكية (NFL) يدر أكثر من 18 مليار دولار سنويًا، رغم أن عدد مبارياته قليل نسبيًا ، والسر في ذلك ؟ يكمن في منظومة ( بث، تسويق، امتيازات تجارية، وتسعير ذكي للتذاكر والبضائع).
سادسا :- اليابان – رياضة البيسبول والأولمبياد
فاليابان استثمرت في البيسبول كثقافة وطنية، مع عوائد ضخمة من البث والرعاية، ورغم إنفاقها الضخم على أولمبياد طوكيو 2020 (أكثر من 15 مليار دولار)، نجحت في تحقيق فوائد اقتصادية طويلة المدى عبر البنية التحتية والعلامة السياحية لليابان.
سابعا :- أستراليا – الرياضات الفردية مثل السباحة والتنس الرجبي ، حيث تستثمر الدولة في برامج النخبة والأكاديميات، وتحقق عوائد من الميداليات الأولمبية، والبث التلفزيوني، والسياحة المرتبطة بالرياضة ، حيث نجد بطولة أستراليا المفتوحة للتنس وحدها تدر مليارات الدولارات سنويًا على الاقتصاد المحلي.
سابعا :- النرويج – الرياضات الشتوية
حيث تُعد من أقل الدول إنفاقًا مقارنةً بجيرانها، لكنها تحقق مردودا أولمبيا ورياضيا ضخما، بسبب الاستثمار في القاعدة، لا في الواجهة.
ثامنا :- دول أنفقت بلا عوائد حقيقية
(١)- جنوب أفريقيا – كأس العالم 2010 ، والتي أنفقت أكثر من ( 3.6 مليار دولار) على استضافة كأس العالم، لكن العديد من الملاعب تحوّلت لاحقًا إلى “مدن فارغه”، ولم تحقق الدولة عوائد اقتصادية مستدامة.
(٢)- البرازيل – مونديال 2014 وأولمبياد 2016 ، والتي أنفقت ما يتجاوز ( 20 مليار دولار) ، ولكن دون استراتيجية واضحة للعائدات، مما أدى إلى أزمات اقتصادية واحتجاجات داخلية، بل وتفكك بعض المنشآت لاحقا.
في النهاية
الاستثمار الرياضي الناجح هو ذلك الذي يُحوّل الإنفاق إلى نمو اقتصادي طويل الأجل، فالدول والأندية التي تفهم هذه المعادلة هي من تصنع الفارق، بينما من يُنفق دون عائد، يخاطر بميزانيته ومستقبله الرياضي.
(المستشار الإستراتيجي والقانوني الرياضي الدولي وعضو لجنة ضبط أداء الإعلام الرياضي بالمجلس الأعلى للإعلام)










