في الطابق الأخير من مبنى أثري يقع وسط العاصمة، جلس هاني رشيد يتفحص ساعة جيب قديمة وجدها بين مقتنيات والده المتوفى حديثًا.
كانت ساعة ثقيلة، محاطة بإطار نحاسى منقوش عليه نقش غريب.
“عُد إلى اللحظة. إن أردت أن تبصر ما خفي”
لم تكن تلك الساعة تعمل، وكانت عقاربها تشير إلى توقيت غير منطقي .. الخامسة والسبع دقائق مقلوبة رأسيًا … وكأن الزمن فيها يرجع إلى الخلف ..
كان هاني يعمل موظفًا في دار الوثائق القديمة … مهتم بالتحف والآثار العائلية .. ولكنه لم ير شيئًا كهذا من قبل. حاول فتح غطاء الساعة الخلفي، وحينها وجد فيه مفتاحًا صغيرًا مثبتًا بمغناطيس،وعندما أدار المفتاح، دوى في الغرفة صوت خافت، كأن جدارًا يتحرك .. التفت .. الجدار المقابل تراجع ببطء ليكشف عن فتحة صغيرة .. تؤدي إلى ممر ضيق … مظلم…!!!
أضاء هاني مصباح هاتفه وتقدم. الممر لم يكن طويلًا .. ولكنه متعرج وكأنه متاهة محفورة داخل الجدران.
في نهايته .. وجد بابًا معدنيًا بلا مقبض … مكتوب عليه بخط اليد “من دخل … لن يخرج كما كان”
تردد لحظة .. ثم دفع الباب بكتفه .. ففتح بسهولة .. كانت غرفة مربعة .. جدرانها مغطاة بمجموعة من الصور بالأبيض والأسود لأشخاص غرباء … عدا واحدًا من بينهم .. صورة .. والده حين كان شابًا .. واقفًا بجوار رجل مجهول يحمل نفس الساعة ..
وفي الزاوية .. وضعت طاولة .. وعليها دفتر جلدي قديم مفتوح على صفحة مكتوب فيها “ساعتنا لا تخبرنا بالوقت .. بل … تحبسنا فيه”
بجانب الدفتر .. وجد صندوقًا صغيرًا .. فتحه … فوجد بداخله ساعة أخرى .. تشبه ساعته تمامًا … لكن عقاربها .. كانت تدور للخلف …. وفجأة …. توقف كل شيء …!!!
لم يعد يسمع صوت هاتفه ولا نفسه …
الغرفة أصبحت بلا زمن …
ثم ظهر خلفه فجأة .. رجل طويل القامة .. يرتدي معطفًا داكنًا .. ووجهه مغطى بقناع معدني …
من أنت؟؟؟ صاح بها هاني صارخًا .. ولكن دون صوت .. أشار الرجل إلى ساعة الجيب التي يمسك بها هاني في يده .. ثم إلى صورة والده ..
وقال بصوت عميق: والدك لم يمت … هو هنا …. ولكن في لحظة لم تصلها بعد.
أراد هاني أن يتكلم ويعقب، لكن الكلمات أبت الخروج .. وكأنها اختفت في حلقه.
أخرج الرجل من جيب معطفه مرآة صغيرة .. أراه إياها .. وحينها .. شاهد فيها نفسه وهو يجري في شارع قديم .. يلاحقه ظل .. ويسقط أرضًا … ثم …..
انطفأت المرآة …..!!!!
استفاق ليجد نفسه في مكتبه، الساعة فوق الطاولة، وعقاربها تعود إلى حركتها الطبيعية، ظن أنه حلم، لكنه حين نظر إلى يده وجد الجرح ذاته من وقع السقوط الذي رآه في المرآة.
في اليوم التالي، عاد إلى نفس الممر السري.
ولكنه وجده مغلقًا…!!
الجدار لم يتحرك، والساعة لم تصدر صوتًا .. ذهب إلى عمه الأكبر .. الراوي العائلي .. فسأله عن الساعة .. نظر إليه الرجل مطولًا بعينين مرتجفتين .. ثم وجه حديثه إليه قائلًا: والدك كان آخر من حملها، اختفى لثلاثة أيام .. ومن بعدها عاد متغيرًا … صامتًا .. ولكن كل ما ذكره وكان يردده هو أن الوقت لم يعد ملكه.
باغته هاني بسؤاله: هل هذه الساعة تنقلنا في الزمن؟
أجابه مسرعًا: لا تنقل …. تحبس … تختار لحظة .. وتأسرك فيها … إن لم تفهم الرسالة.
في الليلة التالية .. حلم هاني بوالده، وكان واقفًا في الغرفة ذاتها .. يصرخ … دون صوت “اكسر الحلقة!!”
استيقظ فزعًا … وقرر أن يعود ..
في هذه المرة، أحضر مطرقة ثقيلة .. وعندما دخل الغرفة المخفية .. لم يتردد .. كسر الساعة الأخرى .. فتطاير منها دخان أسود .. تبعه صوت صرير حاد .. وكأن حشرة زمنية …. تموت!
وفجأة … امتلأت الغرفة بصوت دقات ساعة حقيقية … و …. ظهر والده …
شاحبًا .. تحيلًا .. لكن … حيًا …
وبصوت مختنق قال له: كنت أنتظرك لتكسر القيد … كنت محبوسًا في اللحظة التي خِفتُ فيها قول الحقيقة.
سأله هاني: ماذا تقصد؟ أي حقيقة؟!!
أجابه قائلًا: أنني قتلت … قتلت الرجل الذي كان معي في الصورة … وكان .. أخي!!
أبلغ هاني الشرطة لاحقًا .. وأرشدهم إلى الغرفة المخفية .. لكن حين وصلوا .. لم يجدوا شيئًا … لا ممر .. ولا صورة .. ولا دفاتر.
وحتى الساعة .. توقفت عن العمل .. وعاد عقاربها إلى وضعها الأول … الخامسة والسبع دقائق .. مقلوبة.
في اليوم التالي .. استلم هاني رسالة دون توقيع .. مكتوب فيها “كل لحظة لا تواجه فيها الحقيقة .. تصبح قيدًا .. من لم يكسر ساعته .. لن يعرف متى بدأ الزمن يحاكمه”
ومازال هاني .. يحتفظ بالمفتاح ….!!










