في زيارتي الأخيرةِ له، أكَّد لي أنَّ الأصواتَ التي أسمعُها ليستْ حقيقيَّة، وأنَّ الحقيقةَ هي أنني صَنعتُ الجزءَ الذي أفتقِدُه.
الأشخاصُ الذين يظهرونَ في ذهني، ليسوا سوى ظلال.. ابتسمتُ.
قال حرفيًا: “تشعرين بوحدة، جعلتكِ تخلقين حولكِ ضجيجًا، وتتخيلين أنه “أنتِ”.. ينشطر إلى أجزاءٍ تشبهكِ في خصالٍ.. تكرهينها!”
لكنهم موجودون دائمًا، يُشاركونني تفاصيلَ صغيرة، لا يراها أحدٌ سِوَاي؛ تلك التفاصيلُ المختبئةُ داخلي، والتي ظننتُ أنَّ أحدًا لا يمكنه رؤيتَها..
أهرب إلى حقيقتي، التي لم يرَها أحدٌ من قبل، ولا الغريب الذي يطاردني في الكوابيس. حقيقةٌ لا يمكنهم فهمها.
أمشي يومًا تلو الآخر في تلك الدائرة الضيقة من ذاتي، المكانِ الذي لا يستطيع الآخرون اقتحامَه…
لكن في عمق داخلي، أعرف أنني محاصرة!
ألتقيهم، بأكثر الشخصيات المختبئة داخلي قوّة، أكثرهم اكتمالًا، وأكثرهم عزلة.
وما لم أخبر به الطبيب: أنني مِتُّ بالفعل مرّاتٍ عدة، حين تزهق روحي ليلًا. وكان أحدُهم ينهضُ مكاني، لا يشبهني، لا يحمل ملامحي، ولا بصمة قلبي، ولا يؤمن بالصفح… كما كنتُ أفعل.
صرتُ الآن الغريب الذي كنتُ أرتعب منه… ذاك الذي كان يسكن كوابيسي، ويتسلّل إليّ كلما أغلقتُ عيني.
ذاك الغريب… الذي همس لي يومًا،
بأنني لن أعود كما كنت،
وأنني حين أواجه مرآتي،
سأجد فيها ملامحَ أخرى،
وبصمةَ صوتٍ لا أعرفها،
ذاك الغريب الذي جذبني إلى عمق التيه،
حين قذف في نفسي أفكارًا أخرى،
لا تشبهني… لكنني صدّقتها.
همس لي بحقيقةٍ أعمق حين قال:
ماذا لو لم أكن أهرب منهم… بل أُخفي نفسي عنهم بصورةٍ يرونها؟
فالتحمت من الداخل مع نفسي، نعم، أفعل ذلك.
ماذا لو كانت تلك العزلة، ليست ملاذًا… بل قناعًا؟
إنها قناع.
ماذا لو كنتُ أتعمد إخافتهم؟
نعم، أتلذذ بإخافتهم.
ولكن هناك لحظاتٌ قصيرة،
تتسرّب خلالها مشاهد لا أجرؤ على الاعتراف بها،
نظراتٌ قاسية، نوايا لم أنفّذها… لكنها راودتني.
أطيافُ مواقفَ ارتجفتُ منها لاحقًا، لا لأنني لم أُردها، بل لأنني أرَدتها بشدة.
ولكن… لستُ متأكدةً إن كنتُ أنا من ارتكبها، أم أحدهم.
فبداخلي أشخاصٌ عدة… يسكنونني.
لا أعرف مَن منهم قتل جارتي العجوز؟
ومن كان يُطعمها ويعطف عليها؟
من منهم تنمّر على المارّة،
ومن اشترى ملابس لفقراء المأوى؟
من أخلص في العمل،
ومن أشعل النار في المخازن؟
من يعشق صمت الجدران،
ومن يسكن الغرفة المغلقة التي لا أستطيع دخولها؟
لا أعرف… لا أعرف شيئًا..!
في تلك اللحظات، لا أكون الضحية، ولا الساكن الهارب،
بل شيءٌ آخر… ربما ظلّ الغريب.
لم يكن الطبيبُ على حقٍّ تمامًا؛
الأصواتُ التي أسمعُها، لم تكن كلُّها من صُنعِ خيالي.
أحدُهم… كان يعرفني.
كان يهمس بأسرارٍ… لم أُبُح بها قطّ.
في الزيارة التالية، فتحتُ الدفتر الذي أكتبُ فيه كلَّ ما أسمعُه،
فوجدتُ خطًّا ليس خطّي، ولا يشبهه…
وجملًا لم أكتبْها، مفككةً، كأنها خرجت من فمٍ آخر؛
أحدهم مزّق أفكاري ثم أعاد ترتيبها بشكلٍ غريب…
يألفه، ولا يألفني.
“أَنْ تَ، لَسْ تُ. وَحْدَ كَ، أَنْ ا. لَسْ تُ، أَنْ تَ.”
“أن ا، ق ت ل ت. “ماري”، وأن ت. ك ن ت، ت ط ع م ه ا.”
أيقنت حينها أنني لست وحدي بالداخل.
ولكن بمرور الوقت، بدأتُ أَشُك:
هل كنتُ أنا من خلقَ تلك الأصوات؟
أم أنني مجرَّدُ صدىً لصوتٍ آخر؟
هو القاتل. صوتٌ كان هنا قبلي،
يُقيمُ في داخلي منذ زمن،
ينتظر لحظةَ ضعفي… لينطِق.
الطبيبُ لم يعرِف كلَّ شيء،
لم يعرِف أن بعضَ الظلالِ بدأت تخرجُ من داخلي..!
تعيشُ معي في البيت،
تذهب وتجيء،
تستخدم ملابسي، وأشيائي،
وأتظاهر بعدم رؤيتِها.
لم تكن مجرَّد خيالات،
بل كانت تمشي خلفي، وبجواري،
تُحرِّك الأشياء،
وتعبَث بالزوايا حين تعتقد أن لا يراها أحد.
حينها، أدركتُ أن العزلةَ لم تكن اختيارية،
بل كانت فخًّا نُصِبَ لي بإحكام..!










