لايمكن قراءة الصراع مع إسرائيل بعيدا عن القرآن الكريم، سواء فيما يتعلق بمحددات هذا الصراع وأحكامه، أو بطرق مواجهته والانتصار فيه، فلقد نبأنا الحق جل شأنه بالكثير من أخبار بني إسرائيل، وأطلعنا على طبائعهم وجرائمهم، فهم أهل جدل ومطل وغدر وخيانة، لا أمن لهم ولا أمان ولا سلام، وهم قد خانوا الله من قبل وجادلوه وحرفوا كلامه وقتلوا أنبياءه عليهم السلام، وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم، وكلما أعطوا من شيء طمعوا في المزيد، ويتلاعبون بالنصوص ليؤسسوا لأنفسهم حقوقا ما أنزل الله بها من سلطان، لذلك حذرنا سبحانه وتعالى في كثير من الآيات من ألاعيبهم وجرائمهم وخياناتهم.
وما أظن صمود أهل غزة ومقاومتها في وجه آلة الحرب الإسرائيلية الجهنمية لأكثر من 22 شهرا إلا نتاج قراءتهم للصراع في ضوء القرآن الكريم، بعد أن فشلت القراءات القومية والأيديولوجية السابقة، وفشلت الحلول السلمية والمبادرات والمعاهدات والقوانين والقرارات الدولية في استرداد حقهم، أو حتى جزء من حقهم، ولم يبق لهم غير الإيمان الراسخ بوعد ربهم: “وكان حقا علينا نصر المؤمنين”.
ويعرف القاصي والداني أن بني إسرائيل هم الذين سبقوا إلى خوض الصراع منذ البداية استنادا إلى تصوراتهم الدينية، وأسسوا عقيدتهم الصهيونبة على وعود مزيفة ليحققوا أطماعهم التوسعية على حساب أهل البلاد الآمنين في أرضهم وديارهم، وفي سبيل ذلك لا يعترفون بقوانين أو شرائع دولية، ويحتقرون القرارات التي تصدرها الأمم المتحدة بخصوص الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بل إن الدول الحليفة لهم في الغرب تؤسس دعمها لهم أيضا على قواعد دينية.
لذلك حينما تنبه رجال المقاومة إلى أهمية أن يخوضوا الصراع في ضوء القرآن الكريم اشتدت عزائمهم وصلابتهم لتحمل تبعات الصمود الطويل، فما ضعفوا وما استكانوا، وما كسرهم الحصار والقتل والتدمير، والتهديد المتكرر بالمحو والتهجير، وما كسرهم قرار حكومة نتنياهو بإعادة احتلال غزة بالكامل، الذي يحمل للقطاع احتلالا فوق احتلال، وشرا فوق شر.
لقد أريد بهذا القرار بث الرعب في نفوس المقاومة الباسلة كي ترفع الراية البيضاء بعد أن رفضت خداع المفاوضين الإسرائيليين والأمريكيين، فقد كانوا يتفاوضون على اتفاق لتبادل الأسرى والخروج من غزة، ثم تبين أن المساومة تستهدف استعادة الأسرى الإسرائيليين مع بقاء الاحتلال، وهنا بدت طبيعة بني إسرائيل واضحة جلية، طبيعة المخادعين المحرفين للكلم عن مواضعه، وعندما رفض الفلسطينيون هذا الخداع المقيت الإسرائيليون من المفاوضات وانسحب معهم كفيلهم الأمريكي، وألقوا باللائمة على المقاوم الفلسطيني لأنه لم يستسلم، ولم يسلم سلاحه حتى يتسنى لهم أن يقتلوه وشعبه بدم بارد، مثلما فعلوا في مذابح دير ياسين وكفر قاسم وصبرا شاتيلا وغيرها، وحتى يحققوا بالمفاوضات مالم يحققوه بالقتل والتجويع.
لقد أدركت المقاومة أن تسليم السلاح يتعارض مع القانون الإلهي للحرب الذي وضعه الحق جل شأنه في كتابه الكريم، والذي لا يطلب من المؤمنين تسليم سلاحهم، بل يحذرهم من مجرد الغفلة عنه، وينبههم إلى أن الغفلة عن السلاح تفتح للعدو باب الميل عليهم ميلة واحدة، فكيف إذا سلموا السلاح وتجردوا منه طواعية؟
إن إدارة الصراع في ضوء القرآن الكريم يحقق للمؤمن إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وكلاهما فوز لا تخشى معه خسارة، وهذا ما فطن له الكاتب ديفيد هيرست رئيس تحرير موقع (ميديل إيست آي) البريطاني حين امتدح صلابة المقاوم الفلسطيني الذي تخرج من مدرسة الإسلام، مؤكدا أن إسرائيل ستهزم في غزة كما هزم الأمريكيون في فيتنام بعد قرن من النضال، بسبب عاملين اثنين هما تصميم الشعب الفيتنامي وصحوة الرأي العام الأمريكي، وهما العاملان ذاتهما اللذان يتحققان اليوم لتأمين حرية الشعب الفلسطيني وإقامة دولته.
وما نراه من تظاهرات معارضة للحرب في شرق العالم وغربه، وصراعات داخلية في إسرائيل واحتجاجات غير مسبوقة لآية من آيات الله، حتى وصل الأمر إلى تقدم أكثر من 600 مسئول عسكري وأمني سابق ورؤساء خمس جامعات إسرائيلية برسالة إلى ترامب يطالبونه فيها بإجبار نتنياهو على إنهاء الحرب، لأنهم يرون ـ كما قال عاموس يدلين رئيس الاستخبارات العسكرية السابق ـ أن إسرائيل تقترب من هزيمة استراتيجية عميقة في غزة.










