تعيش مصر اليوم بعد ثورتين عظيمتين نادى فيها الشعب بالعيش والحرية والكرامة فى سباق مع الزمن للنهوض، تبحث عن وطن يليق بأبنائها، وعن حياة كريمة عادلة. ولكن ..ما زال هناك وجع يئن فى خاصرة الوطن، وما زال هناك مسلسل إهمال لا ينتهى فصله. وإذا كانت صحة الإنسان هى حجر الأساس فى بناء الأمم، وعماد التقدم، وسر الإنتاج، فإن آفة الإهمال فى مستشفياتنا حكومية كانت أم خاصة قد صارت سكينا يطعن فى ظهر هذا الوطن.
المشكلة ليست نقص دواء، ولا عطل جهاز فحسب، بل هى أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة إدارة، صحة الإنسان ليست رفاهية، إنها عماد الأمم، وسر نهضتها، وميزان عدلها. فإذا مرض الجسد مرض الوطن، وإذا مات المريض على الباب ماتت فينا القيم. ولكن ما الذي يحدث اليوم؟ لقد تحولت بعض مستشفياتنا الحكومية والخاصة من بيوت رحمة إلى أبواب موصدة، ومن ملاذٍ للمتألم إلى ساحة إعدامٍ بطيء. فهناك مريض قلبٍ يلهث وتقطع انفاسه فيُقال له “ادفع أولاً”، وهناك مصاب حادثٍ يصرخ ودمه ينزف فيُترك على عتبة المستشفى حتى تُفتح محفظته، وهناك مريض فشلٍ كلوي جلس على سلم مستشفى ينتظر جلسة غسيلٍ فجاءه الموت قبل الدواء لأن الثمن لم يكن في جيبه. لقد صار الشعار الصامت الذي تقوله الجدران: من لا يملك ثمن العلاج لا يستحق الحياة.
وزاد الطين بلةً فقر فى الإمكانيات، نقص الدواء، وعطل الأجهزة، وغياب الصيانة، وانقطاع الكهرباء، وتراكم الأوساخ في أروقةٍ كان يجب أن تكون أنظف بقاع الأرض. فصار المريض يدخل المستشفى يبحث عن الشفاء فيخرج منها محمولاً على الأكتاف، وصار الإهمال بلا رادع، والتقصير بلا حساب، غابت الرقابة والمحاسبة، والإنسان البسيط هو وحده من يدفع الثمن من لحمه ومن دمه.
أي وطنٍ هذا الذي يُعدم أبناءه مرتين؟ مرةً بالمرض، ومرةً بالإهمال؟ وأي رسالةٍ هذه التي نقولها للعالم حين يصبح سرير العناية سلعةً، وحين يصبح حق العلاج صدقةً لا فريضة؟
إن إنقاذ الروح واجب دولة وشرف أمة. والعلاج ليس مستحيلا، ولكن يحتاج إلى يد من حديد وقلب رحيم.
نحتاج قانوناً رادعاً يجرّم رفض استقبال أي حالة حرجة، ويجعل الإنقاذ فرضاً قبل المال والإيصال. ونحتاج ميزانيةً حقيقيةً لوزارة الصحة تُترجم إلى دواءٍ وسريرٍ وجهازٍ وعامل نظافة، لا إلى أوراقٍ وحبر. ونحتاج رقابةً لا تنام على المستشفيات الخاصة، ومحاسبةً لا تجامل كبيراً ولا صغيراً. ونحتاج أن نُعيد للطبيب والممرض هيبة المهنة وقداسة الرسالة بدوراتٍ وتدريبٍ وتذكيرٍ دائم بأن من أمامهم ليس رقماً في دفتر بل أبٌ وأمٌ وابنٌ ووطنٌ كامل يختصر في جسدٍ واحد. نحتاج تضافر الجهود، يد الحكومة فى يد المجتمع المدنى، فى يد الإعلام، فى يد كل مواطن، حماية الإنسان واجب جماعى.
أيها السادة إن الأمم لا تُقاس بناطحات سحابها ولا بأرصدة بنوكها، وإنما تُقاس بدمعةٍ مسحتها، وبروحٍ أنقذتها، وبإنسانٍ بسيطٍ نام وهو مطمئن أن له سريراً إن مرض. يكفي موتاً على السلالم، ويكفي قهراً على الأبواب، ويكفي أن نكتب في تاريخنا أننا في زمن النهضة تركنا الإنسان يموت على العتبات.
فلتعد المستشفيات كما كانت وأرادها الله: ملاذا للمكسور، وستراً للمتألم، وبيتاً أخيراً لا يرد سائلاً ولا يخذل محتاجاً. فإذا حُفظ الإنسان قام البنيان، وإذا عولج المريض نهض الوطن.
ولكن ..ماذا لو عبر المريض العتبة ودخل؟
ماذا لو لم يقتله الفقر على السلم، فقتله الإهمال داخل الغرفة؟
هذا ما سنفتحه فى المرة القادمة..حين يتحول ملاك الرحمة إلى شاهد زور.










