يُقدم الباحث والكاتب أسعد سليم في مؤلفه “الحبكة المقدسة: الدين في السينما الغربية”، الصادر عن منشورات إبييدي عام 2025، إسهامًا نوعيًا في دراسات العلاقة البينية بين الفن السينمائي والفكر الديني. لا يكتفي سليم بسرد تاريخي للأعمال السينمائية الغربية التي لامست الثيمات اللاهوتية، وإنما ينطلق من فرضية جريئة مفادها أن السينما قد نسجت لنفسها كيانًا موازيًا للدين، بمنظومتها الخاصة من المعتقدات والطقوس والقيم، مما جعلها قوة قادرة على محاورة المقدس، فضلًا عن إعادة تشكيله على الشاشة الكبيرة.
يفتتح الكتاب بمدخل نظري يضع أساسًا لمقاربة العلاقة بين السينما والدين، موضحًا أن السينما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أضحت حاملة لرسائل فكرية عميقة تتجاوز حدود المتعة البصرية. يرى سليم أن هذا التداخل بين عالمي الفن والدين قد أثار منذ البدايات ردود فعل متباينة، من القبول إلى الرفض الصارم، لا سيما من المؤسسات الدينية التي رأت في حرية التعبير السينمائي تهديدًا لسلطتها التقليدية.
ينظم الكتاب مادته في أحد عشر فصلاً، تتوزع على محاور رئيسية وفرعية، تشكل معًا نسيجًا قكريًا متكاملًا.
يتناول الكتاب أولاً كيفية تجسيد الكيانات الروحية والمقدسة على الشاشة، متتبعًا مسار هذا التناول من الإشارات الرمزية إلى الظهور الصريح، ومبرزًا التنوع في تصويرها، من الكائنات الطاهرة المبشرة بالخير إلى الشخصيات المعقدة التي تعاني من صراعات وجودية، أو تلك التي تتحدى التصورات التقليدية. كما يتعمق في مفاهيم الظلام والنور في السياق الديني السينمائي، محللاً صور الشر والخير، ورؤى العوالم الأخرى التي تتجاوز التصورات التقليدية لتقدم أبعادًا نفسية وأخلاقية عميقة.
يُلقي سليم الضوء أيضًا على صراعات الروح والمجتمع، محللاً كيف عكست السينما الحروب الدينية والتوترات الطائفية، وكيف يمكن للدين أن يكون محركًا للصراع أو جسرًا للتفاهم. هذا إلى جانب تناوله الضمير الإنساني في سياقه الديني، مستكشفًا المعضلات الأخلاقية التي تواجهها الشخصيات في سياق إيمانها.
يخصص الكتاب مساحة واسعة للخيال المقدس في مواجهة الواقع المتغير، مبيِّنًا كيف أعادت السينما صياغة الأساطير الدينية وتأويلها لخدمة أغراض فنية أو نقدية. ويخوض في منطقة شائكة بتحليله لمفاهيم التشكيك في الإيمان والتمرد على العقيدة، مستعرضًا الأفلام التي تجرأت على طرح هذه المفاهيم وكيف أثارت هذه الأعمال ردود فعل متباينة. يختتم سليم رحلته بتحليل رؤى نهاية العالم في السينما، من النبوءات التقليدية إلى التصورات الفلسفية التي تعكس قلق الإنسان المعاصر.
يُعد “الحبكة المقدسة” إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال النقد السينمائي والدراسات الدينية. يتميز الكتاب بشمولية لافتة في تغطيته لمجموعة واسعة من المفاهيم الدينية، ويقدم تحليلًا ثريًا لتناول السينما لها، مدعومًا بأمثلة سينمائية متنوعة. كما يربط النماذج الفيلمية بالأطر الفلسفية واللاهوتية، مما يثري فهم القارئ لتداخل هذه العوالم. لغة الكتاب رصينة، تمزج بين العمق الفكري والأسلوب البسيط، مما يجعله متاحًا لغير المتخصصين دون التضحية بالدقة العلمية.
في سياق الطرح الفكري، يمكن اعتبار فرضية “السينما كدين” نقطة انطلاق ثرية تفتح آفاقًا واسعة للتعميق النظري المستقبلي، وتدعو إلى استكشاف أبعد في هذا التوازي المثير للاهتمام. كما أن تركيز الكتاب على السينما الغربية يقدم أساسًا متينًا للتحليل، ويمهد الطريق لدراسات تحليلية موسعة تستكشف مقاربات ثقافات سينمائية أخرى لنفس المفاهيم، مما يثري المشهد النقدي العام. فالسرد الوافي للأفلام يمهد الطريق لتحليلات نقدية أكثر عمقًا في أعمال مستقبلية، حيث يمكن الغوص في التفاصيل الدقيقة لكل فيلم ومقارباته الفلسفية بشكل أوسع.
”الحبكة المقدسة” يقدم دعوة للتأمل في قوة السينما بوصفها مرآة تعكس أعمق الجوانب الشائكة ،مثل الدين ، ومحركةً للوعي المجتمعي. فالرحلة الفكرية الذي يقدمها الكتاب عبر الزمن والشاشة، تكشف كيف أن الفن السابع لم يكتفِ بمجرد محاكاة الدين، وإنما تجرأ على محاورته وتفسيره، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من حوارنا المستمر حول المعنى والوجود.










