قصة قصيرة
لم يكن في الغرفة شيء يدعو للريبة .. سوى الهدوء … كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحًا .. حين وصل مفتش المباحث المقدم هشام الشافعي إلى شقة القتيلة سلمى الدسوقي .. كانت تعمل محاسبة قانونية .. عزباء .. تبلغ من العمر تسع وثلاثون عامًا ..
وجدت جثتها ملقاة على الأرض بين المكتب والردهة .. بوجه لا يزال يحمل صدمة اللحظة الأخيرة .. الطعن نظيف .. بلا دماء غزيرة .. بلا فوضى … كل شيء مرتب … أكثر من اللازم ..!!!
وقف هشام يتأمل الجثة بصمت .. يضع يده خلف ظهره … ووجهه ساكن كالصخر .. ثم زوى ما بين عينيه .. وقطب جبينه ..
ومال هامسًا للمساعد: جريمة كهذه لا يتركها الغباء … بل … الثقة الزائدة.
قالها ثم نهض ببطء .. وتوجه نحو مكتبة صغيرة تضم ملفات موضوعة بعناية ..
همس المساعد: من أبلغ بالحادث؟
أجابه بصوت عابث: أخوها .. قال إنه اتصل عليها ولم تجب .. فقلق .. وجاء إلى شقتها ليكتشف هذه الجريمة ..
ثم أضاف هشام وهو ينظر ناحية المكتب: لكن القاتل … لم يتصل.
في التحقيق .. كان هناك ثلاثة أسماء تدور حول الضحية ..
رائد الدسوقي .. شقيقها .. يعمل محام .. يعيش في مدينة نصر .. بدا على قسمات وجهه الحزن الشديد.
مها شوقي .. زميلتها في العمل .. عرفت بالمكالمة .. وبكيت حين عاينت الجثة.
عصام فخري .. خطيبها السابق .. رجل أعمال له سمعة غير مستقرة .. انفصلا منذ أشهر.
لم يكن المقدم هشام الشافعي .. رجل المباحث المخضرم .. المحنك .. يصدق ذلك الحزن .. بل .. يراقب توقيت الارتباك ولغة الجسد.
في الساعة الحادية عشر صباحًا .. كان التحقيق الأول مع أخو الضحية .. جلس أمام رجل المباحث بملامح مرهقة .. يمسح عرق جبينه كل لحظة.
نظر هشام إلى عينيه مباشرة .. وهو يسأله بهدوء: متى تحدثت إليها آخر مرة؟
أجابه رائد قائلًا: أول أمس مساءً .. وأردف .. كانت بخير .. فقط مرهقة قليلًا .
عاد ليسأله من جديد: وهل كانت تخشى أحدًا؟
هز رأسه نافيًا: لا .. واسترسل.. ربما من عملها فقط .. كانت تعمل لساعات طويلة.
لاحظ هشام أن صوته مضطرب قليلًا .. ولكن لا شيء جوهري حتى الآن.
في الساعة الثانية عشر ظهرًا .. بدأ التحقيق الثاني مع زميلتها مها .. التي جلست في مقابلة رجل المباحث بعينين محمرتان .. وأنف مزكوم .. بدت منهارة.
وجه إليها سؤاله قائلًا: متى غادرت المكتب بالأمس؟
بدون تردد أجبته: في حوالي الساعة الخامسة .. ولكن بقيت سلمى .. كعادتها .. لتنهي بعض الملفات.
للمرة الثانية يسألها: هل كانت بينكما أية مشاكل؟
نظرت إليه بحدة .. ثم قالت: أنا ؟؟!! وأردفت .. لقد كانت سلمى بمثابة أختي قبل أن تكون زميلتي.
عاد ليسألها بسؤال آخر جديد: وهل تعرفين شيئًا عن علاقتها السابقة بخطيبها؟
هنا فقط .. رمشت بارتباك خفيف ..
ترددت للحظة .. ثم قالت: لا أعرف كثيرًا … كان غامضًا .. وكانت تتهرب من ذكره.
دون هشام بعض الملاحظات .. ثم رفع رأسه بهدوء ..
وقال وهو يوجه حديثه إليها بصوت منخفض: أشكرك .. سنعيد الاتصال بك .. إن لَزُمَ الأمر!
تجاوزت الساعة الواحدة والنصف ظهرًا .. وحينها ..
التفت المفتش إلى مساعده وهو يقول: دع عصام يدخل للتحقيق.
أجابه بإيماءة من رأسه .. ثم ذهب يدعو الأخير بالدخول .. جلس عصام أماه بثقة واضحة .. كان يرتدي معطفًا داكنًا .. وضع عطرًا فخمًا .. نفاذًا .. ملامحه لا تبدو عليها التأثر .
قال بصوت بارد: انفصلنا منذ عدة شهور .. ولا علاقة لي بما حدث.
لم يرد عليه هشام … ولكن فقط أخرج هاتفًا صغيرًا ..
ثم قال: هل كنت هنا ليلة الأمس؟
أجابه: كنت في منزلي .. وحدي.
سأله: ولم تحاول الاتصال بها مؤخرًا؟
بدا الأخير متوترًا وهو يجيبه بالنفي قائلًا: لا .. لماذا أفعل؟
صمت هشام لثوان .. ثم فجأة قال: لكن الكود لم يتغير .. أليس كذلك؟
تغيرت ملامح عصام للحظة ..
ولكنه حاول ألا يظهر ذلك وهو يقول بهدوء: لا أعرف .. ثم أضاف .. ربما غيرته.
لم يعلق هشام .. فقط دون الملاحظة.
ثم قال وهو ينهض: شكرًا لك .. سنعود إليك.
في الطريق إلى مسرح الجريمة مجددًا ..
سأله المساعد: ماذا عن الكود؟ ما المغزى؟
رد عليه وهو يسير بسرعة: لم نذكر الكود أبدًا .. لكن عصام تكلم عنه
توقف لحظة .. التفت إليه وهو يقول: وهذا يعني أنه دخل الشقة .. أو حاول الدخول .. أو على الأقل .. يعرف الكود السابق.
ثم قال بصوت أهدأ: لقد قال أكثر مما يجب ..
كانت العودة إلى مسرح الجريمة في الساعة الثالثة والربع .. دخل هشام غرفة المكتب اقترب من الكرسي .. لاحظ خدشًا صغيرًا في الذراع . .كأن شخصًا أمسك بها بعنف .. وعلى الأرض بجوار السجادة .. كانت هناك قطعة قماش صغيرة .. كأنها جزء من قفاز جلدي . .رفعها بحذر وهو يتفحصها
وهمس: وهذه الغلطة الثانية .. لكنها لم تكن لسانًا .. بل .. يدًا … استدعي عصام مرة أخرى.
ولكن في هذه المرة .. بدا أقل ثقة .. نظر هشام في عينيه مباشرة .. بنظرة حادة وثاقبة ..
ووجه إليه حديثه: سأقول لك شيئًا واحدًا .. لن أكرره …
صمت … ثم أخرج القفاز الممزق .. ووضعه أمامه.
ثم قال: قلت إنك لا تعرف شيئًا عن الكود .. لكنك علقت عليه .. وتركته في جملتك دون أن تنتبه ..
حاول عصام التماسك … ولكن هشام أكمل
هشام: وهذه … قطعة من القفاز الذي كنت ترتديه .. وجدناها تحت السجادة.
صمت عصام طويلًا .. ثم قال: جئت لأسترد أوراقًا كانت تخصني .. اشتد الحديث بيننا .. دفعتها .. فسقطت.
رد عليه هشام بنبرة ثابتة حازمة: لا … أنت قتلتها .. ثم نظفت كل شيء .. لكنك لم تنظف لسانك .. وإليك ما حدث بينكما حينها … دخلت مستخدمًا الكود القديم الذي لم يتغير ..
توقف ثم واجهه وهو يشير إليه بسبابته ويقول: وأنت كنت تعلم ذلك جيدًا …
ثم تابع: كانت سلمة وحدها .. فوجئت بك .. وحينها حاولت طردك .. وحدث شجار بينكما .. وتصاعد .. أمسكت بها .. دفعتك .. استشطت غضبًا .. وبدون أدنى تردد … استلت سكينًا صغيرًا كنت تحمله بجيبك .. وهددتها …
لكنها أمسكت بذراعك وهو تقاومك .. فانغرست الطعنة القاتلة .. و … سقطت بصمت .. لم تكن هناك صرخة .. فقط نظرة منكسرة .. ودمعة واحدة … أصبح الأمر واقعًا …..
في حينها … أردت أن تطمس معالم الجريمة .. جمعت كل شيء .. لكن قطعة القفاز علقت .. ولم تنتبه .. وأثناء التحقيق .. صراحة .. ما كنت أعلم شيئًا عن ذلك الكود .. أو أنك تعلم عنه شيئًا .. ولكن من خلال تحرياتنا علمنا أن باب شقتها يفتح بكود مرقم ..
وحينها .. حاولت جس نبضك .. وألقيت إليك بالطعم .. وأصبح الشك يقينًا ..
أنت تعلم جيدًا بذلك الكود من البداية .. كان خطأ لم تنتبه إليه .. عندما تكلمت .. كانت جملتك كفيلة بإغلاق كل شيء …
في تقريره … كتب المقدم هشام الشافعي “القاتل دائمًا يقول أكثر مما ينبغي .. ليس لأن فمه ضعيف .. بل .. لأن عقله يُرهق قبل النهاية .. لا تحتاج إلى بصمة .. حين تُمسك بالغفلة”










