قصة قصيرة..
في حي المعادي الهادئ، وفي إحدى البنايات، بالدور السادس، جلست ليلى النحاس بداخل شقتها الأنيقة، أمامها طاولة خشبية، وكانت تكتب في دفتر أسود صغير.
في ذلك الحين كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة مساءً، والنافذة مفتوحة على اتساعها، بينما الهواء يملأ المكان برائحة ياسمين ناعمة، غير معتادة في هذا الفصل من العام.
انحنت ليلى قليلًا، شمت الرائحة مجددًا، ثم تمتمت بصوت خافت: “أنت مجددًا ..
ثم أغلقت الدفتر … وطفأت النور.
في اليوم التالي … وجدت ميتة … على فراشها …..!!!
في تمام الساعة التاسعة صباحًا، وصل العقيد مروان شاهين إلى مسرح الجريمة. رجل في العقد الخامس من العمر، له نظرة ثابتة .. ثاقبة، وصمت كثيف لا يكسر إلى عندما يتكلم .. فيجبر الجميع على الإنصات إليه.
دخل الغرفة، لم يقترب من الجثة أولًا.
بل .. توقف عند النافذة المفتوحة .. أغمض عينيه ..
ثم قال: هل تشمها؟؟
تردد الضابط المساعد من قبل أن يُجيبه: نعم … عطر ناعم … رائحة ياسمين.
قطب مروان جبينه، ثم استدار ببطء نحو السرير …
كانت ليلى ترقد في وضع هادئ، عيناها مغمضتان ويدها اليمنى مسترخية .. وعلى معصمها الأيسر ….. زهرة ياسمين صغيرة …!!
بعد مرور ثلاثة أيام، سجلت وفاة أخرى …
كانت أيضًا السيدة تدعى هدى شكري، محامية معروفة .. عثر عليها ميتة في منزلها، والظروف متماثلة تمامًا!!
لا كدمات … لا مقاومة … لا آثار كسر أو اقتحام … وهناك على طاولة بجانب سريرها … وجدت نفس الزهرة …
زهرة ياسمين ….!!!
وقف مروان أمام الجثة الثانية ..
وقال بنبرة متماسكة: لا شيء يجمع الضحيتين علنًا … لا ماض مشترك .. لا جهة عمل واحدة .. لا تواصل مباشر.
تدخل مساعده معقبًا: إلا … العطر.
أردف مروان: العطر … والزهرة .. والهدوء المريب.
في اليوم السادس، تلقت الشرطة بلاغًا من امرأة تدعى غادة يوسف .. تعمل صحفية ..
قالت في المكالمة: أنا كنت أتابع الأخبار وعلمت من عن التحقيق في حدثتي الوفاة الغامضة … وتلك الرائحة .. انني أشمها الآن في بيتي .. رائحة الياسمين .. منذ يومين … لا يوجد زهر في البيت .. ولا جيران يحملونه.
سألها: هل لديك أعداء؟
أجابته: لا أظن .. ثم أردفت .. ولكنني كتبت مقالًا عن وفاة ليلى النحاس … وقلت فيه … إنها كانت …….
انقطع الاتصال !!!!
وفي اليوم التالي .. عثر على جثتها … وعلى صدرها ….. زهرة ياسمين…!!!!
دلف مروان غرفة الأدلة .. طلب ملفات الضحايا الثلاث … صور الغرف .. تحليل الهواء …
وفجأة .. وقف وهمس: لا وجود لسُم .. لا مادة كيميائية معروفة … لكن هل من الممكن؟ ..
ثم استدار نحو المختص الجنائي .. وسأله: هل حللتم العطر نفسه؟
أجابه دون تردد: نعم … لكنه لا يحتوي على شيء قاتل …
وأردف: فقط … زيت عطري.
راجع العقيد مروان الكاميرات المجاورة لمنازل الضحايا .. في كل حالة .. قبل الوفاة بساعات .. ولاحظ ظهور شخص .. .شاب في الثلاثينات من العمر .. أنيق .. وُجد يحمل باقة صغيرة مغلفة … ويغادر قبل الغروب … دون أن يدخل الكاميرا الداخلية.
حدق مروان في صورته الظاهرة على الشاشة وهو يقول: هذا ليس مجرد بائع زهور .. بل … موزع موت.
تم القبض على اشاب .. وكان اسمه سليم الرشيدي .. عامل سابق في متجر عطور فاخر .. وفُصل منذ عام بعد بلاغ من إحدى الزبونات.
في غرفة التحقيق .. جلس أمام رجل المباحث العقيد مروان .. وهو مطأطئ الرأس .. عيونه تائهة.
اقترب منه مروان .. وجلس أمامه … ثم قال بهدوء عجيب: كنت تُعجب بهن .. ثم تحول الإعجاب إلى سخط .. فقررت أن تترك لهن أثرًا … لا يُنسى …
لم يجب عليه .. لم يعلق على شيء ..
أردف مروان: كنت تضع على الزهرة قطرة من عطر خارص بك … عطر يحتوي على مركب مهدئ للقلب .. لكنك كنت تمزجه بزيت يبطئ النبض تدريجيًا.
رفع سليم عينيه ببطء، ثم تمتم: كنت فقط .. أردت أن يهدأن … أن ينسين من هن.
عاود مروان سؤاله: ولماذا الياسمين؟
أجابه بصوت طفولي .. ناعم .. كأنه يغني: لأنني … لأن أمي كانت تضعه على وسادتي .. وأنا صغير ..
نطقها الأخير ومن بعدها كان يبتسم ابتسامة غريبة .. ابتسامة مريض نفسي ..
ظلت هذه الابتسامة البلهاء مرسومة على ثغره حتى من بعد أن اقتادوه إلى محبسه المؤقت ..
بداخل مكتبه .. جلس مروان يراجع أوراق القضية .. وضع زهرة ياسمين على مكتبه … نظر إليها مطولًا..
ثم همس لنفسه قائلًا: القاتل لم يستخدم سكينًا أو ما شابه .. بل … استخدم الذاكرة، والحنين .. والضعف البشري.
ثم كتب في التقرير: “الموت أحيانًا … له رائحة …. لا تُنسى”










