(إن لم اكتبها،لن تبلغ الأشياء مداها ،وستظل مجرد اشياء عشتها) الروائية الفرنسية حاملة نوبل آني آرنو
محمد جبر حسن وسم مجموعته القصصية الصادرة توا عن دار السرد بعنوان أول قصة من قصص المجموعة (حقيبة الأمنيات) لكنه على امتداد ١٩٩ صفحة من هذا الكتاب دفع إلينا بحقائب كل واحدة منها تضم بداخلها ما يفوق الأخريات من مفاجآت وغرائبية محببة جدا.
فهي حقائب تحمل أمنيات مستحيلة، أو فات الأوان لتحقيقها ، ومرة تحمل ذكرى وملامح لوجوه كنا يوما نعرفها، ومرة هي حقيبة تحملنا داخلها ولسنا من يحملها .
محمد ذلك القاص العراقي الذي حمل حقيبته بما فيها من ذكريات حب وحرب اعتصرت فوعة شبابه ووطن هاجر عنه ومازال يحمله بداخله ،ذلك الرجل الوسيم الذي يجيد الرسم بالكلمات بمنتهى الشاعرية والإحساس، ضخ لنا قصصا غرائبية الطابع سوريالية الهيئة واقعية البوح صادقة الجراح .
فمرة يقص لنا قصة عن لسان قميص رجالي تأخذه اقداره من محل في بلاد تحترم الحياة وقيمتها فيقطع رحلة طويلة حتى يُدفن وهو ملطخ بدماء شاب استُشهد في بلاد قيمة الإنسان فيها ارخص من حياة صراصير بالوعات الصرف الصحي .
قصص يبوح فيها محمد جبر حسن على لسان ابطالها عن غربة اذابته ، لكنها امدته بدم يكتب به قصصه لا حبر يسود به الأوراق .
فالكاتب والشاعر تذيبه الغربة لكنه يتألق فيها ايضا.
يتألق بالقلم الذي يصير فماً يحكي خدوش روح رجل عاصر حرب الثمانينات وشاهد الأشلاء وهي تتقطع أمام عينيه، ودماء احبابه تنزف من جراحاتها حتى تنضب آخر قطرة منها، فتغادر الروح الجسد وتترك للأحبة ندوب لاتُشفى ولاتٌنسى.
فبطل قصة حقيبة الأمنيات هو انسان ميت روحيا حي بيولوجيا رغما عنه ،خيط رفيع هو كل مايربطه بهذه الحياة التي ماجادت عليه إلا بقدر تعس .
خيط اعطته القصة صفة الحقيبة ، حقيبة بعد أن سٌرقت منه شَعرَ بأنه فقد المعنى ،المعنى هو الشيء الوحيد الذي يمنحنا الاستمرار لنعيش ،وهذا ما اكتشفه مؤسس مدرسة علم النفس فيكتور فرانكل (مدرسة العلاج بالمعنى) ،تُرى ما الشيء الذي كانت ترمز له حقيبة امنيات ذلك الرجل الذي ودع الحياة منذ سنوات قبل ان تودعه هي ؟!!
هل كانت صور لوجوه احبها؟ ،هل هي لحظات خلدتها عين الكاميرا لأيام كان فيها حيا يتنفس، يضحك، يحلم؟!!
لكن لايهم ٍلمَ كانت ترمٌز حقيبة الأمنيات،، بل المهم هو أن هنالك كثير منا كل مايربطه الآن بالحياة هو ماض كان يوما فيه انسانا يحمل حلما وروحا بعد ان صار حاضره جحيما ومستقبله معتما .
ومرة يأخذنا محمد جبر حسن في رحلة غريبة تتحدث فيها سيجارة عن عذاباتها حين كانت تعتقد أنها صُنعت لتعيش لا لتحترق وتموت .
رحلتكم مع كتاب (حقيبة الأمنيات) طويلة ، ممتعة ،مؤلمة،غرائبية ،تتحدث فيها القمصان والسجائر والكراسي والحبال والشبابيك عن عذاباتها وضحكاتها وذكرياتها.
وكذا يتحدث إليكم فيها شهيد مات في حرب لايعلم ماجدواها اساسا، أو مهاجر قتلته وحدته وغربته، أو حفار قبور دفن نفسه بنفسه بغرائبية ساحرة.
أو صفحة أخيرة مهجورة نتركها دوما بيضاء فارغة في نهاية الكتاب ،لكن محمد جبر حسن هنا انطقها ، فراحت الصفحة الأخيرة في الكتاب تتحدث إليكم عن رحلتكم الطويلة بين الدفتين وتقول لكم ، (حتى لو كُنت صفحة مهجورة في آخر الطابور ،لاتنسوني والتفتوي إلي ،فأنا هنا ،أرى واشعر واتألم مثلي مثلكم) .
محمد جبر قاص يمنح الأشياء لسانا وروحا ، وكأنه يقول لنا ( ليس كل جامد هو بلا روح،، وليس كل حي مازال يملك روحا ، فهنالك من يسير على قدمين لكنه قد فارق الحياة منذ زمن ليس بالقصير ، فموت الروح قد يحدث قبل موت الجسد أحيانا ).











