قصة قصيرة
لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من منزل آل شاهين بعد الساعة الثانية عشرة، ليس لأن الأشجار العملاقة التي تحيط به تشبه الوحوش النائمة، بل لأن كل من دخل ذلك البيت بعد منتصف الليل ….
…. لم يخرج أبدًا ….!!
في ليلة باردة من ليالي الشتاء، كان مالك الصحفي الشاب، يبحث عن قصة تصنع له اسمه، لم يكن يعلم أنا ما ينتظره في ذلك البيت، لم يكن قصة صحفية .. بل … مصيرًا .. لم يتوقعه قط ..!!!
دخل مالك حاملًا آلة تصوير صغيرة، وجهاز تسجيل، وقلبًا لم يحمل الخوف. لكنه حين عبر عتبة الباب، سمع لأول مرة صوت الساعة القديمة وهي تدق .. دقة واحدة بالضبط .. لم تكن الساعة تعمل في البيت منذ ما يقرب من ثلاثين عامًا …
كان الظلام داخل المنزل كثيفًا .. يشبه سواد الحبر .. لكنه أضاء مصباحه اليدوي، وجال بعينيه في أرجاء المكان. وحينها .. وجد الأثاث مغطى بالقماش، والهواء رطب يملأه عطر قديم …. رائحة التاريخ .. الميت.
فجأة .. التقط جهاز التسجيل صوتًا خافتًا … همسة .. كأنها صادرة من خلف الحائط: “لم تأخرت!!”.
جفل مالك .. لكنه تماسك .. وأعاد تشغيل الجهيز .. ولكنه لم يجد شيء … فقط صمت مطبق.
ربما تخيل الصوت .. أو لعلها الريح …. صعد الدرج الخشبي بعصوبة .. كل درجة تصدر أنينًا مرعبًا … حتى بلغ الطابق الثاني .. توقف أمام باب غرفة قديمة … فُتح من تلقاء نفسه …!!!
الغرفة مظلمة … إلا من ضوء خافت .. يتسلل من نافذة مكسورة … اقترب .. فوجد مرآة كبيرة في الزاوية … وحين نظر فيها .. لم ير انعكاسه .. بل … رأى رجلًا يرتدي معطفًا أسود … يحدق فيه بعينين … بلا جفن … تراجع مالك مذعورًا … لكن الرجل في المرآة ابتسم …
وقال بصوت أشبه بالهمس: “لقد دخلت في الوقت الخطأ”
سقط مالك على الأرض .. وشعر ببرودة تسري في أطرافه .. حاول النهوض .. لكن ساقيه خانتاه .. استجمع قواه .. وركض خارج الغرفة .. غير أن الممر تغير .. لم يعد كما كان .. الجدران ضاقت .. الأبواب اختفت .. والظلال تتبع خطواته … كأنها ….. كأنها كائنات حية …!!!
صرخ: “من أنت؟؟!! ماذا تريد؟؟!
أجابه نفس الصوت وهو يأتي من جميع الاتجاهات قائلًا: “أنت اخترت الطريق … الساعة الواحدة .. بعد منتصف الموت … ليست وقتًا للبشر! “
كان مالك يسمع نبض قلبه … كأنه طبل … داخل رأسه … بدأ يفقد الإحساس بالزمن .. هل مرت دقائق؟ أم ساعات؟ .. كل ما يعرفه أن تلك الظلال بدأت تهمس بأسماء … أسماء صحفيين .. اختفوا قبله….!!
“كريم حنفي … نادر خليل .. لبنى مراد … وغيرهم”
أدرك الحقيقة القاسية .. أنه لم يكن أول من حاول دخول هذا البيت .. بيت آل شاهين .. بحثًا عن سبق صحفي .. كان فقط … هو التالي في قائمة طويلة من المفقودين … ولكنه أبدًا .. لم يقبل أو يرض بالهزيمة … بعزم … أخرج آلة التصوير .. وبدأ يلتقط صورًا .. ربما توثق الجنون الذي حوله … وفجأة …
التقطت الكاميرا صورة … دون أن يضغط على الزر …!!!
نظر إلى الشاشة .. انتفض جسده من هول ما شاهده .. وشهق فزعًا …
لقد كانت الصورة الملتقطة …. صورته هو ….!!!
نعم … له … ميتًا ….. ويداه مطويتان على صدره … وعيناه مفتوحتان على آخرهما …
صرخ بأعلى صوته … وركض إلى الطابق السفلي …. كان الباب الأمامي مفتوحًا … رأى الخارج .. فاندفع إليه … لكن جسده اصطدم بزجاج غير مرئي …
كان حبيسًا داخل قفص زجاجي … موجود خارج البيت … لكن … لا يمكن الوصول إليه …..!!!
ظهر الكيان الأسود أمامه مجددًا … لكن هذه المرة .. كان خارج الزجاج ..
وبصوت عميق .. بارد قال له: “من يدخل بعد الواحدة … لا يخرج أبدًا … هكذا كانت الصفقة”
تساءل مالك في أعماقه: “صفقة؟! أية صفقة؟!! ومع من؟؟!!”
حينها رأى على الجدار ختمًا قديمًا .. نقشًا غريبًا … يحمل رموزًا لم يرها من قبل … اقترب .. ولمس النقش … فعاد كل شيء إلى الصفر …..!!!
وجد نفسه مجددًا في مدخل المنزل .. وكأن شيئًا لم يحدث ….
عقله مشتت .. تفقد جهاز التسجيل .. وجده يعمل.. فتش الكاميرا … فوجد الصور … نفس الصور .. خرج مهرولًا من البيت … تنفس هواء الليل البارد .. كأنه يخرج من القبر ….
حين عاد إلى الجريدة .. لم يصدقه أحد .. ظنوا أنه اخترع القصة .. ليصنع لنفسه شهرة … لكنه كتب التقرير .. وأرفق الصور … ونشر التحقيق في الصفحة الأولى …
وفي صباح اليوم التالي … وجده زملاؤه جالسًا على مكتبه … ميتًا …. وعيناه مفتوحتان على آخرهما . ويداه مطويتان على صدره … أما جهاز التسجيل .. فكان لا يزال يعمل … ويهمس بجملة واحدة ….
“لقد تأخرت”










