المفكر المبدع العزيز فيلسوفنا الموقر الدكتور احمد عطية المحترم تحياتي الحارة لكم وبعد,
الحقيقة إن كتابكم هذا من الكتب النادرة جدا والفريدة من نوعها , خاصة في تركيزه على القضية الفلسطينية والبحث والتنقيب في التاريخ الطويل الفلسفي والفكري والعقائدي ولأيديولوجي لهذا الفكر العنصري الاستعماري الغاشم ,
الموضوع شائك جدا ومعقد لأبعد الحدود , ولا يمكن أن يقوم بمثل هذه الدراسة سو من كان متعمق في الفلسفة وتاريخها وهو ذاته فيلسوف مفكر متمكن كما هو الحال معكم في هذا العمل الإبداعي ولفريد الذي أضيف إلى المكتبة العربية والفكر العربي والإنساني والفلسفي أيضا والسياسي ,
ومن الملفت للنظر تسلسل الفصول من الجذور وحتى آخر البراعم المعاصرة , بحيث يقدم للقارئ صورة بنو رامية واسعة متعددة الإبعاد والعصور والطبقات , والرؤى الفلسفية العميقة ومنها ينطلق إلى الفروع السياسية والأيديولوجية والكشف عن الجذور العنصرية من بدايات نشؤ العصر الصناعي الأوروبي ,
أما حول الفلاسفة الذين تم اختيارهم كمادة أساس لهذا البحث فهم مختارين بعناية فائقة لكي يلبوا لهدف من هذه الدراسة المعمقة لمرحلة تمتد لأكثر من قرنين ونصف من الزمن من هذا العصر الذي نعيشه .
والملفت أيضا المقارنات الكانطية المتعلقة بموضوع معاداة السامية , وعدم فهم كانط الصحيح لمن هم المقصودين في ذلك اليهود أم العرب والمسلمين , ولم يقدم كانط رؤية واضحة لمن هم , ولكنه في النهاية قادم من ثقافة غربية بروتستانتية , ورغم ذلك ابتدع طريقته الخاصة في منهجه العقلاني لمفهوم الدين ,
إن المسألة اليهودية في ارو ربا في تلك الفترة كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بموضوع الربا , وهذا كان من أهم أسباب معاداة اليهود , وليس سبب العداء ديني المرجع حرفيا ,
وحتى البروتستانتية على لسان مؤسسها مارتن لوثر له نص حرفي في كتيب اسمه (عن اليهود وأكاذيبهم) يقول فيه ,,
(إنهم يشوهون ويزورون الكتاب لمقدس دائما ولم تشرق الشمس بعد على شعبا أكثر دمية وانتقام من ذا الشعب الذي يعتبر نفسه شعب الله المختار الذي يحمل وصية ألاهية بقتل وهزم الوثنين , إنهم مشبعون بالحقد والكراهية والحسد إزاء بعضهم بعض والكبرياء ولربا والغرور , واللعنات علنا جميعا ,
ينبغي حرق معابدهم ومدارسهم , وتسويها بالأرض ,كما يجب هدم منازلهم وانتزاع كتب صلواتهم وعبادتهم التي يعلمون فيها هكذا عبادات , وكذلك يعلمون الكذب والعنة والكفر وينبغي منعهم من الربا وانتزاع نقودهم ,
لقد نهبونا ويستحوذون الآن على خيراتنا , لا يجوز أن يفرضوا العمل علينا و نتصبب عرقا بينما هم شعب مختار يستمتعون بقضاء الوقت حول الموقد , لا بد من كنس هؤلاء الأوغاد من أرضنا)
يوضح هذا الاقتباس الحرفي لمارتن لوثر مدى الكراهية التي كانت على اليهود من الأوروبيين بسبب موضوع الربا بشكل خاص , وبما أن كانط كان بروتستانتي المنشاء حتما هناك تأثير واضح في رؤيته لهذه الفئة التي كانت تشكل المحرك النقدي لأوروبا في حينها بحكم الأمر الواقع لموجود في عصر كانط في تلك الحقبة برغم منهجه لعقلاني السالف الذكر ,
ورغم كل ذلك إلا أن البروتستانتية لاحقا لعبة دورا كبيرا في التسهيل قنونة الربا وتحوله إلى سلوك قانوني مشروع في أوروبا ,
إن اليهود طردوا عشرات المرات من دول أوروبية عديدة , وفي الغالبية منها كان الربا السبب الأساس بغض النظر عن الذرائع و المبررات التي كانت تتداخل بين الدينية والسياسية الاقتصادية والتجارية و الربوية بشكل خاص واهم ,
كما تجدر الشارة إلى وجود لنزعة الكراهية الكاثوليكية لليهود برغم شراكة لفاتيكان السرية في الربا والتجارة مع المرابين اليهود في الخفاء ,
مهما بلغ المفكرين الأوروبيين والفلاسفة من محاولة التحليل لموضوع مفهوم السامية ولتفاعل مع اليهودية والربا و إمكانية الفصل بينها و لكن هذا كان صعب على الجميع في النهاية بحكم عدم معرفتهم الكافية لواقع الحال التاريخي الحقيقي لوجود اليهود في المنطقة العربية بشكل صحيح ودقيق ومعرفة من هم اليهود الحقيقيين الذين عاشوا في المنطقة العربية , ولم يكونوا فيها أصلا أغلبية ولا في أي مرحلة من مراحل وجودهم ,
إن العصب الحقيقي لقضيتهم هي فكرة الصهيونية الاستعمارية التجارية تشبه ما قام به الأوربيين من غزو لدول كثر من العالم , من أمريكا اللاتينية إلى الهند واسيا وأفريقيا واستراليا و نيوزلاندا وغيرها من المناطق حول العام التي تم استعمارها وتشريد شعوبها ونهب خيراتهم وثرواتهم وتدمير ثقافتهم وحضارتهم بشكل كامل أحيان وصل إلى محو ألغات والدين والجزء الكبير من الثقافة هذه الشعوب ,
إن الفكرة الصهيونية ليس سوى امتداد طبيعي وتاريخي للفكر الاستشعاري الأوروبي وتجاربه في العنصرية والنهب والسلب وتدمير مفهوم الثقافة للشعوب الأخرى واعتبارها شعوب متخلفة ويحق للأقوى استعبادها بل وإبادته او تشريدها ونهب مقدراتها وثرواتها ,
أن اليهودية كديانة لا تحتوي على أي فكر فلسفي حقيقي علمي عميق , لكن الفريق الصهيوني من اليهود وغيرهم حول الدين اليهودي إلى أيديولوجيا سياسية عنصرية وتسعى إلى تحقيها من خلال فكرة الصهيونية التي لبست ثوب اليهودية كذريعة لتبرير سلوكها الإجرامي وتحويله إلى وصايا ووعود ألاهية مختلقة من أكاذيب وخزعبلات مبعثرة وغير متماسكة لروايات مشتته مجمعة من بقايا تشرذمات اليهود أنفسهم كقبيلة كانت قد عاشت في المنطقة العربية في فترة زمنية سالفة ,
إن حضور أفلاطون في فلسطين وغيره من الفلاسفة يعكس عمق العلاقة بين الفلسفة ومسار الأحداث التاريخية وطريقة تفكير الفلاسفة الغربيين في مثالية أفلاطون وعقلانية كانط وعلمانية بعض الاتجاهات الصهيونية المفتعلة ,
وكثيرة هي الاتجاهات والرؤى الفلسفية التي ما زلت حتى يومنا هذا تعيش في أعماق الكثير من الإيديولوجيات العنصرية ألا إنسانية , ولعقلانية كذلك في تيار فلسفي واتجاه موجود من بداية الفكر الإنساني واستمر بأشكال متعددة و أسماء وفلاسفة حتى وصوله إلى يومنا هذا ,
كما يعطي هذا لكتاب في فصوله الستة وسياقاتها وعناوينها المرصودة الدليل القاطع على أن لا وجود لايدولوجيا او فكر سياسي بدون عمق واستناد على أساس وقاعدة فلسفية ما , فهمنا ذلك أم أنكرناه او أغفلنا وجوده , ولفلسفة هي التي تشكل الرؤى الأخرى جميعها , الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية والثقافية والفنية والأخلاقية ,
إن الحديث في الحلول والسلم العالمي في الفصلين الأخيرين بعد استعراض الجذور الفلسفية والروحية والإيديولوجية التاريخية للصراع العربي الإسرائيلي يشكل نقلة نوعية في هذا البحث القيم والمثير , فهذه الطريقة ولتوجه للجذر العميق للصراع في المنطقة اليوم هو الأصل الذي نشأت عليه كل الفروع ألاحقة من سياسية واقتصاد ونظريات مؤامرة وحروب , إن كل هذه الأحداث والبحوث ليس سو فرع من أصول أكثر عمقا وبعدا ضاربة عبر القرون الوسطى إلى أفلاطون ما قبل الميلاد الفلسفة اليونانية ,
إن عقلانية كانط ورؤيته الأخلاقية لا تتلاءم مع الفكر الصهيوني الاستعماري الأوربي والصهيوني الموروث من بداية عصر التنوير ومارتن لوثر وغيرهم , بل ما قبل ذلك بكثير , ولهذا تعرض كانت لهذا النقد من اليهودية والصهيونية ,
إن أي فكرة تطرح موضوع السلام لعالمي هي فكرة تتعارض مع الفكر الاستعماري , وخاصة إذا كانت عقلانية و أخلاقية ذات بعد إنساني يدعو إلى المساواة والعدالة الاجتماعية بين البشر , هذا يعني كنتيجة تجريد كل هذه المنظومة من كل امتيازاتها في نهب البشرية واضطهاد الآخرين المغايرين لا لشيء فقط من اجل الحفاظ على وجود هذه الناس المختارة فقط وإحكام سيطرتهم على العالم بشتا السبل ,
الحقيقة التي لا يمكن إغفالها في هذا الكتاب والبحث كونه يكشف عن ما لم يأخذ حقه بالفعل في مسار هذه المرحلة التاريخية من حياة المنطقة العربية والأفريقية أيضا , ويفتح الباب أمام الفلسفة المعاصرة لكي تقدم ما لديها من رؤية لهذا الصراع الذي أصبح مركز للحروب وذريعة لاستمرارها كوسيلة للتجارة والهيمنة ونهب الثروات في العالم وجعلها في يد أقلية مارقة مجرمة بوقاحة مفرطة , ولم يعد يعنيها أي أقنعة او ثوب إنساني او أخلاقي معين , بل تكذب الكذبة وتريد أن تفرض تصديقها من خلال تنفيذها بالقوة و الحروب ,
الخلاصة إن هذا الكتاب المتعدد الإبعاد يشكل إضافة إبداعية نوعية جديدة وهامة جدا في تاريخ الصراع في المنطقة العربية الأفريقية , بل ويمتد ليكشف عن الفكر العنصري الأوروبي والدولي الإرهابي الذي تصنعه المنظومة الاستعمارية ولا إرهاب في هذا العالم سوى إرهاب هذه لمنظومة , وذلك كونها هي صانع الإرهاب وهي من يقوده في العالم بأسره , وليس هذه الفرق التي نراها منتشرة هنا وهناك سوى أدوات تديرها هذه المنظومة بطرق متعددة وتنقلها بحسب ما تقتضيه الحاجة والظروف ,
في النهاية نثمن عاليا هذا الجهد الإبداعي المتعدد الأبعاد والأصيل والمثمر, الذي شمل الرؤية والتحليل للقضية الفلسطينية وللصراع في المنطقة والعالم وكشف جذوره البعيدة بطريقة فلسفية وعقلانية أدبية سياسية وأخلاقية , ويحاول تقديم رؤية شفافة لمستقبل قد يكون ممكن فيه الوصول لحلول ممكنة في هذا العالم المضطرب المتقلب الذي لم يعد يحكمه سوى البلطجة والتوحش ,
دامت جهودكم الإبداعية المثمرة أيها المبدع لفاضل والفيلسوف الأصيل










