يخبرنا التاريخ أن سقوط الأمم لا يبدأ من الأسواق ولا من الأزقة ولا من وجوه العامة المرهقة، بل يبدأ من القصور ومن مجالس النخبة، من تلك الوجوه اللامعة التي تبيع الحكمة في النهار وتشتري الخطيئة في الليل.
فالعامة، مهما ثقلت أوجاعهم، ينهضون كل صباح ليبحثوا عن خبزٍ وجرعة ماء وفسحة حياة، بينما النخبة تُبدّد الزمن في صناعة الأوهام وتوزيع الشعارات مثلما يوزَّع الملح في بحرٍ مالح.
لقد رأينا كيف ينحني المؤرخون، حين يكتبون نهاية حضارة ما، فلا يفتشون في جيوب الفقراء ولا في دموع الأطفال، بل في خزائن النخبة. ينقبون عن فساد العلماء الذين باعوا علمهم في المزاد، وعن الساسة الذين شربوا من كؤوس الطغيان حتى الثمالة، وعن مثقفين زيّنوا للسلطان صورته في المرآة، حتى صار القبح جميلاً والخيانة وطنية.
إن الانهيار يبدأ من الرأس، من العقول التي صارت عبئًا على الأجساد، من “النخبة” التي تحوّلت إلى طفيليات تمتص دم المجتمع ثم تلومه على ضعفه. فماذا ننتظر من جيل قُدّته نخبٌ فاسدة، إلا أن يرث الخراب مثلما يرث الأطفال ديون آبائهم؟
المفارقة الساخرة أن هذه النخب، في كل مرة، تُحمّل العامة وزر الخراب. يتحدثون عن “أزمة الوعي الشعبي”، وعن “انحطاط الذوق العام”، وكأن العامة هم من سنّوا القوانين الجائرة أو وقعوا على اتفاقيات الخيانة أو باعوا ثروات البلاد بأبخس الأثمان!
كأن الفلاح الذي يحرث أرضه، أو العامل الذي يلهث وراء لقمة العيش، هو المسؤول عن الفساد المالي والسياسي والفكري!
أيها السادة، الحقيقة أبسط من كل التنظير: حين يفسد الرأس، يتعفن الجسد كله.
وما دام جسد الأمة يُقاد برؤوس مهترئة، فما الذي ننتظره سوى أن تتحول المجتمعات إلى مسرحيات هزلية، يمثلها شعبٌ تعيس ويخرج منها تاريخٌ ساخر؟
ربما سيأتي مؤرخٌ بعد قرون ليكتب عن زمننا في سطرٍ بارد:
“كانت أمةً عظيمة، غير أن نخبتها قررت أن تموت واقفة فوق أنقاضها.” محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية










