megahedkh@hotmail.com
أكبر جريمة ترتكبها الاسرة في حق الأطفال..تركهم فريسة لوسائل التواصل الاجتماعي بلا قيد او شرط ..والاكثر خطورة تشجيعهم ودفعهم الى البقاء على الألعاب الالكترونية بالساعات الطوال ظنا منهم انها الوسيلة الأنسب والاسهل لالهائهم والتخلص من ازعاجهم وطلباتهم التي لا تنتهي..
للأسف الشديد اصبح في حكم العادة ان تجد أطفالا صغارا في السنوات الأولى من عمرهم يدفعهم الإباء وخاصة الام الى اللجوء الى الموبايل طلبا لاسكاته والاستراحة من زنهم..وهم يرتكبون خطيئة كبرى من حيث يشعرون او لايشعرون..الا انهم سيفاجأون بعد قليل بان الأطفال وصلوا الى مرحلة ادمان تلك الوسائل ويشربون ويتشربون منها سلوكياتهم واخلاقهم وتنقل لهم او ترسخ لديهم امراضا خطيرة تبدأ من الانطواء وتصل حد التطرف وما بينهما قد يكون شذوذا او انحلالا او تمردا او رعونة وتهورا ولا يمكن السيطرة عليهم..
كثير من الدراسات العلمية الحديثة حذرت من التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على ثقافة الأطفال حيث يؤدي الاستخدام المفرط إلى العزلة الاجتماعية وضعف العلاقات الأسرية وقلة التفاعل مع الواقع. وكذلك انتشار العنف والتطرف..كما ان المحتوى غير المنضبط قد يؤثر سلبًا على القيم والسلوكيات ويعزز العنف والتنمر الإلكتروني.
وأثبتت الدراسات ان الانشغال بوسائل التواصل يؤثر على التركيز والتحصيل الدراسي للأطفال وان التعرض المستمر للشاشات يؤدي إلى ضعف النظر واضطرابات النوم والسمنة بسبب قلة النشاط البدني.وان قضاء وقت طويل على الإنترنت قد يؤدي إلى ضعف الروابط الأسرية وتباعد الأجيال مما يهدد التماسك الأسري.
المفارقة العجيبة ان الباب عندنا مفتوح على البحري والحبل متروك على الغارب للأطفال حتى قبل البلوغ وما بعده أيضا في الوقت الذي يتجه العالم بقوة نحو تقييد الاستخدام الفعلى للأطفال لوسائل التواصل وحظر وجودهم وتسجيلهم على كثير من المنصات الحيوية..للتقليل من المخاطر والتأثيرات الضارة الى جانب البحث عن بيئة رقمية آمنة ليس فقط للأطفال بل للاسرة كاملة بما فيها الشباب والمراهقين والمراهقات..
لفت نظري تقرير مهم أصدره المؤشر العالمي للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تعليقا وتعقيبا على القرارات العالمية الداعية لحظر وسائل التواصل على الأطفال خاصة ما حدث في استراليا بمنع الأطفال دون الثامنة عشرة من الدخول على وسائل التواصل وتحذير شركات التكنولوجيا العملاقة من السماح للأطفال بالتسجيل على منصاتها والا تعرضت لعقوبات مالية ضخمة.. وكذا توجه دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا الى فرض الحظر قانونيا على الأطفال بعد دراسات واستطلاعات راي للمختصين واولياء الأمور في هذا الصدد..
التقرير عرض لتجربة دار الإفتاء المصرية واكد انها كانت الأسبق قبل التحولات الدولية في هذه القضية المهمة..ليس فقط بالتحذير من المخاطر بل انها اتخذت خطوات عملية في المواجهة..وهي خطوة تستحق التحية والدعم والمؤازرة من الجميع خاصة وسائل التنشئة الاجتماعية ومؤسساتها.. اذ تبنت دار الإفتاء خلال السنوات الماضية منهجا في التعامل مع تحديات العصر الرقمي يقوم على استباق المخاطر وبناء الوعي المجتمعي وتطوير أدوات الخطاب الإفتائي بما يواكب التحولات المتسارعة في البيئة الرقمية.
وأوضح مؤشر الفتوى أن دار الإفتاء لم تقتصر على إصدار الفتاوى والبيانات التحذيرية وإنما عملت على تقديم مبادرات وبرامج توعوية تستهدف مختلف فئات المجتمع ولا سيما الأطفال والناشئة وأولياء الأمور انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الوقاية الفكرية والسلوكية تبدأ قبل وقوع الضرر وأن حماية النشء في العصر الرقمي تتطلب خطابًا يجمع بين التأصيل الشرعي والفهم العميق للمتغيرات التقنية والقدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.
وقد حذرت دار الإفتاء في مناسبات متعددة كما يقول التقرير من مخاطر الإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني والابتزاز عبر الإنترنت والألعاب والتطبيقات التي تحرض على العنف أو إيذاء النفس أو تروج للمقامرة والسلوكيات المخالفة للقيم مؤكدة أن حفظ النفس والعقل والأخلاق من المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية وأن كل وسيلة يثبت أو يغلب على الظن أنها تُلحق ضررًا بالأفراد أو المجتمع تستوجب التوعية بها واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من آثارها.لان المخاطر التي يمكن أن تتركها الألعاب على الأطفال وهي لا تقف عند حدود التسلية المفرطة بل تمتد إلى الإدمان الرقمي والانكشاف على بيئات تواصل غير آمنة وما قد يصاحبها من تحرش أو استدراج عبر غرف الدردشة..
لا نملك الا ان نرفع الصوت عاليا مع دار الإفتاء والمؤشر العالمي للفتوى ونؤكد معها أن حماية الأطفال في العصر الرقمي لم تعد خيارًا بل أصبحت ضرورة وطنية ومجتمعية تفرضها التحولات المتسارعة في عالم التكنولوجيا الأمر الذي يستوجب تبني رؤية متكاملة تجمع بين التشريع والتوعية والتربية وتقوم على بناء الإنسان قبل الاكتفاء بمعالجة آثار المخاطر بعد وقوعها.
توصيات مهمة اطلقها المؤشر العالمي للفتوى منها ضرورة إطلاق برنامج وطني متكامل تحت عنوان “الأسرة الرقمية الآمنة” تتشارك في تنفيذه المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والجهات المعنية بحماية الطفل بهدف نشر ثقافة التربية الرقمية وتمكين أولياء الأمور من أدوات المتابعة والإرشاد وتعزيز قدرتهم على مواكبة التحولات التقنية التي يعيشها الأبناء.
نقطة مهمة وجديرة بالاعتبار وهي ان مواجهة التحديات لا تتحقق بالمنع وحده وإنما من خلال بناء شخصية رقمية واعية قادرة على التمييز بين الاستخدام النافع والاستخدام الضار للتكنولوجيا. لذا دعا المؤشر إلى توسيع برامج التوعية الرقمية داخل المدارس والجامعات ومراكز الشباب وإنتاج محتوى معرفي وتربوي يناسب مختلف المراحل العمرية ويُعرِّف الأطفال وأسرهم بأبرز المخاطر الرقمية وسبل الوقاية منها وضرورة توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في خدمة رسالة التوعية من خلال تطوير تطبيقات ومنصات تفاعلية تقدم محتوى دينيًّا وتربويًّا موثوقًا للأطفال والناشئة وتوفر لأولياء الأمور إرشادات عملية تساعدهم على بناء بيئة رقمية آمنة داخل الأسرة.
وهنا مربط الفرس كما يقولون .. فهل نستطيع؟
نعم وانا لقادرون ..
والله المستعان ..









