لم تعد قضية التشجير مجرد نشاط تجميلى أو زراعة بعض الاشجار على جوانب الطرق والميادين فالعلم اليوم يواجه تحديات بينية خطيرة فى مقدمتها التغيرات المناخية والتصحر وارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء وأصبحت الشجرة جزءا من منظومة الأمن البيئى والصحي والاقتصادي لأى دولة تبحث عن مستقبل أفضل لأبنائها
لقد أدركت الصين منذ عقود خطورة التصحر وتدهور البيئة فبدأت مشروعا طويل الأمد لإنشاء أحزمة خضراء واسعة لمواجهة زحف الرمال وتحسين البيئة وحماية الأراضي, لم يكن المشروع قصير المدى ولم يكن مجرد حملة موسمية لزراعة الأشجار وإنما رؤية ممتدة عبر أجيال تؤمن بأن ما يزرع اليوم قد يحمى مستقبل وطن بأكمله غدا .
ومن هنا يفرض الواقع سؤالا مهما اين نحن فى مصر من مشروع قومى حقيقى للتشجير ومقاومة التصحر؟
لدينا مساحات صحراوية واسعة ومدن تعانى ارتفاع درجات الحرارة وطرق طويلة يمكن أن تتحول الى أحزمة خضراء كما لدينا مياه معالجة يمكن الاستفادة منها وفق الضوابط العلمية فى زراعة الغابات الشجرية والأحزمة الخضراء حول المدن والمناطق الصناعية .
فلماذا لا نفكر فى مشروع وطنى طويل المدى لبناء ” السور الأخضر المصرى”؟
مشروع لا يرتبط بحكومة أو وزير أو احتفال موسمى بل يستمر عشرات السنين ويشارك فيه الجميع وزارة الزراعة ووزارة البيئة والمحافظات والجامعات ومراكز البحوث ومنظمات المجتمع المدنى بل والمدارس والجامعات والشباب .
لكن قبل أن نتحدث عن زراعة أشجار جديدة علينا أن تحمى الاشجار الموجودة بالفعل .
فمن المؤلم أن ترى اشجارا عمرها عشرات السنين تختفى أمام اعمال التوسع والبناء أو تتعرض لعمليات تقليم عشوائية وجائرة تحولها الى جذوع بلا أوراق ولا ظل ,والأخطر أن بعض عمليات التقليم تنفذ بأيد لا تمتلك المعرفة أو الخبرة الكافية وكأن المطلوب هو التخلص من الشجرة لا الحفاظ عليها .
ان تقليم الاشجار ليس عملية قطع عشوائى بل هو عمل فنى يحتاج الى متخصصين يعرفون متى يتم التقليم وكيف يتم وماهى الفروع التى يجب إزالتها حتى تظل الشجرة قادرة على النمو وانتاج الظل وتنقية الهواء .
مصر تحتاج الى اشجار تحيط بالمدن وأحزمة خضراء تحمى القرى والطرق وغابات شجرية فى المناطق الصحراوية وتشجير حقيقى للمدارس والجامعات والمستشفيات والمناطق الصناعية نحتاج الى أن تصبح كل شجرة جزءا من خطة وطنية وأن يكون قطعها قرارا استثنائيا لا يحدث الا عند الضرورة القصوى .
ان المدن التى تزداد فيها المساحات الخرسانية وتختفى منها الاشجار تتحول فى الصيف الى افران مفتوحه مع ارتفاع درجات الحرارة يصبح الظل ضرورة وليس رفاهية ويصبح الهواء النظيف حقا من حقوق المواطنين .
لقد أصبح السؤال اليوم أكثر الحاحا هل نستمر فى مطاردة الاسمنت على حساب الاشجار ؟ أم ندرك أن التنمية الحقيقية لا تعنى قتل الخضرة ؟
ان بناء الطرق والمدن ضرورة ولكن حماية البيئة ضرورة ايضا ولا يوجد تعارض بين التنمية والتشجير اذا كان التخطيط علميا ورشيدا .
نريد ان نسمع عن خطة واضحة لاستغلال المياه المعالجة فى اقامة أحزمة خضراء حول المدن ومشروعات تمتد لعشرات السنين لمقاومة التصحر وتحسين المناخ نريد أن نرى دورا حقيقيا لوزارتى الزراعة والبيئة وللمحافظات والهيئات المعنية بالتشجير كما نريد قواعد صارمة تحمى الاشجار من القطع والتقليم الجائر.
إن الشجرة التى تقطعها اليوم قد تحتاج عشرات السنين حتى يعوضها الزمن , والمدينة التى تفقد خضرتها لن تستطيع ان تعيد اليها روحها بسهولة
مصر الخضراء ليست حلما مستحيلا, وإنما قرار يحتاج الى ارادة وتخطيط واستمرار .
كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالاستئناف العالى ومجلس الدولة








