ذكرى مولد النبي- صلى الله عليه وسلم-، يبعث في قلوبنا بهجة، كيف لا؟، وهو الهادي، الذي أخرجنا بفضل الله-عزوجل- ورضاه من الظلمات إلى النور، وملأ القلوب بضياء الإيمان، وغذى الوجدان بجميل القيم، وعظيم الفضيلة، ونعمة الإحسان، وقوّم السلوك؛ ليصبح الإنسان كالصيب النافع، أينما يحل يزهر الخير، وتحل بركة العطاء؛ فبفضل رسالته السامية- صلى الله عليه وسلم-، سادت الرحمة، وصارت عنوانا للإنسانية، وباتت مكارم الأخلاق سمات تتحلى بها الأمم، والشعوب؛ فلا يبقى أثر من شوائب التحاقد، والتباغض، والتحاسد، والنزاع، الذي يهلك الحرث، والنسل، ويكرّس الكراهية بين بني البشر قاطبة.
وجدان المصريين يميل إلى نور الهداية، ولا يرتضي سبل الغواية، ويتذوق حلاوة، وطلاوة الإيمان، ويهيم في فضاء التقى؛ ومن ثم يعشق نبيه- صلى الله عليه وسلم- ومحبوبه، ويتلمس الطريق القويم من سيرته العطرة؛ فتراه يتجرع من فيض معان أحاديثه – صلى الله عليه وسلم-، وينهل من معرفة تزيد من عزيمة الإنسان، وتكسبه إرادة لبلوغ حصن التقوى، التي تشرح القلوب، وتبعد الأبدان عن الخوض في شهوات، ونزوات، تورث النفس الصِغار، وتدفع بالأفئدة إلى التحجر، والتبلد على بوابة المعصية، واقتراف الآثام.
الاحتفال بمولد المصطفى- صلى الله عليه وسلم- يُعلى من الهمة، ويجدد عزيمتنا نحو فعل المعروف؛ فتطهر القلوب بعد مواجهة قسوة الأيام، وترتقي النفوس سُلّم العفة، التي تطهرنا من الدرن، الذي تركته أثر ذنوب اقترفناها في غفلة؛ ومن ثم نصل إلى دروب اليقين؛ فتظهر ملامح الحق، الذي لا نحيد عن مساره، حينئذٍ نفقه ماهية الخير؛ فنسارع في القيام به، ولو بشقّ كلمة، وندرك فلسفة المعروف، الذي يبدو في كل ممارسة، تعود بالثمرة على الغير، ولا نترقب جزاءً؛ لكننا نتلمس مغفرة من رب رحيم، ورضا من عليم قدير؛ فما أجمله! من مقابل.
سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – بالنسبة لوجدان المصريين، ليست من قِبل مراجعة التاريخ؛ لكنها تزيد من جرعة الإيمان في القلوب، وتمدّنا بزاد التقوى، وتبعث فينا أمل الوصال، وتمنّى الشفاعة، وتلهم الأفئدة مصداقية المشاعر، والصبر على الطاعات، والتحلّي بإتقان العمل؛ لنؤدي الأمانة المكلفون بها بكل تواضح، راجين من المولى- عز وجل- القبول، لدينا مقدرة تحمل الصعاب، والشدائد؛ فلا نجزع من ابتلاء في غير الدين، ولا تغير من عقيدتنا محن، ونوازل، وهنا يتملك وجداننا سكينة، وطمأنينة؛ فلدينا رضا بقضاء الله – عزوجل- وقدره.
خصوصية المصريين في الاحتفاء بمولد خير البرية-صلى الله عليه وسلم- ترصد العيون المحبة في تآلف، وتجمع، وتواد حول مائدة التلاوة، التي تثلج قلوب الحاضرين؛ وتسمعه لإنشاد يطرب الأفئدة؛ فتزداد لوعة، وشوقًا، وحنينًا؛ للنهل من سنته الطاهرة، وسيرته، التي يفوح عطرها في أرجاء كون، أناره بطلعته، ورسالته، التي بعث بها للعالمين؛ ليخرجهم من غواية الدروب إلى طرائق النور المبين؛ ومن ثم يتشبع وجدان الحاضرين بجرعات لها تأثير السحر على تهذيب السلوك؛ فيزداد جمالًا، ورقيًا.
شمائل الفضيلة تحثنا على أهمية أن نحتفى بذكرى مولده الشريف- صلى الله عليه وسلم-؛ لأنها ترقّق من طباع، وخصال، قد اكتسبناها؛ فننهل ترياق ما يزيدنا طيبة، وسموا، ونقاءً للسريرة؛ حينئذٍ نتصور جمال الإنسان عندما يجمع بين ظاهر، يحرص على فعل الخيرات، وهجر المنكرات، وباطن يراعى خصوصية العلاقة بين رب غفور، رحيم، كريم؛ فلا يذهب إلى معاصي الخلوات؛ لأن القلب راقٍ، واستفاق بهدى النبوة، التي منحته الطمأنينة؛ فيسير في درب الحياة مستضيئًا بسيرة نبيه-صلى الله عليه وسلم- العدنان، لا يخشى التيه، أو الضلال، أو الغواية، أو الحيرة.
كل ما يزهر، وجدان المصريين في قلب رعاية الدولة، ومؤسساتها الوطنية، وقيادتها المحبة لآل البيت- رضي الله عنهم-؛ فتجد أن تنظيم الاحتفاء بسيرته العطرة- صلى الله عليه وسلم-، والاحتفال بذكرى مولده الشريف يكون على مستوى رسمي، يلقى الاهتمام، ويحضره رموز الوطن، تأكيدًا على عظمة الحدث، وتخليدًا لسلوك قويم، يمنحنا طاقات إيجابية، وجرعات من السعادة، ومقدار من الشكر على نعمة قد أولانا بها رب العباد، وهي الإسلام؛ لنحمل في صدورنا رسالة السلام، ونعيش مع من نحب في رضا، ووئام في خضم ما حثتنا عليه سنة خير الأنام- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، كل عام وأنتم بخير.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر










