د.كمال يونس
مفرح الشهري و درة مقالات نشرة المهرجان التجريبي
أفضل المقالات الجريئة الموضوعية التي تناولت مهرجان المسرح التجريبي للأستاذ مفرح الشهري والتي نشرت في نشرة المهرجان التجريبي تحية واحتراما وتقديرا للأستاذ مفرح الشهري وللأستاذ يسري حسان رئيس تحرير النشرة لاختياره وسماحه بنشر المقال بكل شجاعة ، ولعل هذا المقال يخرس ألسنة المزايدين والمشككين ويعلمهم الموضوعية في الحوار .
منذ أن عرف المسرح العربي طريقه إلى الخشبات الحديثة كان السؤال الدائم كيف نكون مختلفين ؟، كيف نصنع لغة مسرحية تشبهنا ولا تذوب في قوالب الاخرين ؟،ومن هنا ولدت فكره التجريب باعتبارها مغامرة إبداعية ورحلة غير مألوفة تمنح المسرح حياة أبعد من التقليد والنقل ، غير أن هذه الكلمة التي تبدو بريئة ملهمه حملت معها ظلالا أخرى، فحين غاب الوعي حضر الاستعراض، تحول التجريب الى تخريب، وصار المسرح عند بعض المغامرين حلبة عبثية لا تنطق الا ضجيجا بلا معنى ، وهكذا أصبحنا نعيش مفارقة دقيقة التجريب كأداة بناء والتخريب كنتيجة سوء استخدام، التجريب هو محاولة لفك أسر المسرح من التقاليد الجامدة، والانفتاح على تيارات العالم ،واستخدام الجسد والتقنيات الرقمية، والفنون البصرية لبناء عروض تعكس روح العصر، إنه مختبر مسرحي يختبر العلاقة بين الجمهور والنصب وبين الشكل والجور، لكن الخطأ الخطر بدأ حين يتحول المختبر إلى سيرك جمالي يغيب عنه المنهج ويعلو فيه الصخب، فالتجريب ليس حركات غريبة على الخشبة ولا صرخات متكررة ولا ديكورات متكلفة، بل هو وعي نقدي يسائل اللغة المسرحية ويقترح بدائلها ،عندما يرفع بعض المخرجين شعار التجريب ليغطوا به سطحية الطرح ،وفقر الفكرة نجد أنفسنا امام عروض تمارس تخريب باسم الحرية، تخريب ذائقة وتخريب تواصل وتخريب صوره المسرح العربي في عيون جمهوره ، هنا تتجلى المعضلة هل نحن أمام فن يضيف إلى المشهد أم عبث ينتزع الثقة بالمسرح نفسه .
عام 1988 خطت القاهرة خطوة جريئة بتأسيس مهرجان القاهرة كأول منصة تحتضن التجريب الدولي مصر الجديد لم يكن المهرجان مجرد تظاهرة بل أشبه بمرآة ضخمة وضعت أمام المسرحيين العرب ليشاهدوا أنفسهم في مواجهه العالم في قاعات القاهرة وخشباتها التقى المسرحيون العرب بمدارس مختلفة من المسرح الألماني الطليعي إلى التجارب اليابانية المدهشة مرورا بعروض أمريكا اللاتينية التي كسرت حدود الخيال، كان المهرجان مساحة اكتشاف وتعليم وتلاق لكنه أيضا كاشفا للزيف والتجريب المغلف بشعارات زائفة، والعروض التي تخلط الجرأة بالسطحية
اليوم وبعد أكثر من 30 عاما على تأسيس المهرجان يظل السؤال معلقا ماذا جنى المسرح العربي من التجريب؟ هل أنشا مدرسه فكرية جديدة؟ هل أسس لجمهور يتذوق المغامرة ويحتضن المختلف ؟ أم أننا ما زلنا ندور في حلقه من الشكليات دون أن نصل الى الجوهر.
لا شك أن المهرجان أسهم في رفع الوعي ، وإعادة طرح الأسئلة، لكنه لم يتمكن وحده من حل المعضلة، فالتجريب يحتاج إلى بيئة إنتاجية ونقد مسرحي حي ومؤسسات ثقافية تتبنى الجاد وتترك وراءها الارتجال .
التجريب في المسرح العربي يظل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها ، فهو روح المغامرة التي تحمي الفن من الموت، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية، إن لم تمارس بوعي تحولت الى تخريب يقوض كل ما نبحث عنه ، وبين التجريب والتخريب يظل المسرح العربي مطالبا أن يمسك بالخيط الرفيع، أن يجرب ليضيف لا ليهدم ،ان يغامر ليبني لا ليبهر لحظة ثم يترك الفراغ. ككاتب وصحفي عايش المهرجانات وراقب العروض أؤمن أن التجريب لا يقاس بكمية الضجيج فوق الخشبة بل بقدرة العرض ان يترك فيك اثرا بعد ان تغادر القاعة، لقد شاهدت أعمالا وصفت بالتجريبية لكنها لم تكن أكثر من استعراض اجساد أو ألعاب إضاءة ، وأخرى صادقة أعادت تعريف معنى المسرح بالنسبة لي ،لهذا أقولها بوضوح نحن بحاجة إلى التجريب نعم، لكننا بحاجة أكبر إلى حماية التجريب من التخريب ، والمهرجانات وعلى رأسها مهرجان القاهرة التجريبي يجب أن تظل بوابة فرز حقيقية لا منصة مجاملة، فالمسرح العربي يستحق ان يجرب ليبني المستقبل لا ليكرر أخطاء .










