هذا المقال قراءة لمصادر عدة لتحديد مفهوم الحداثة وتأثيرها على المسرح وصولا للمسرح الحداثي أطره ومفاهيمه والمدارس الفكرية التي استقى منه شكله ومفاهيمه وملامحه .
مفهوم الحداثة
نشأت منذ القرن الخامس عشر، عند اكتشاف أميركا واختراع يوحنا جوتنبرج للمطبعة، لتنمو الاتجاهات الأيديولوجية والفلسفية والفكرية والأدبية والعلمية نتيجة تبدل الحياة في أوروبا، مشكلة تمردا وثورة على التقليد ومعززة مستندة داعية لمركزية العقل ، نتيجة لتنامي الاتجاهات والأيدولوجيات الفكرية والفلسفية والأدبية والعلمية والعقائدية والتمرد على السلطة الروحية للكنيسة، ليكون جل اهتمامها العقلانية والعلمانية وحرية يستمدها الإنسان جوهر كل شيء من ذاته ومن الطبيعة. فقد كانت بدايات هذا المنهج التجديدي مع أواخر القرن التاسع عشر، إلى منتصف القرن العشرين، سيراً على خطى التقدم الصناعي والاجتماعي والفلسفي الذي شهدته القارة الأوروبية والعالم، لاسيما بعد الحرب العالمية الأولى.
وأحد اتجاهات الحداثة نَصَّبَ نفسَه حاكمًا على التراث (بمفهومه ولفظه)، واتَّخذ منه عدوًّا؛ فأصبح يكيل له الاتهامات ويعمل على هدمه ونقضه، ومن أجْمَع التعريفات للحداثة من تلك الزاوية ما يلي:
1-محاولة صياغة نموذج للفِكر والحياة، يتجاوز الموروث، ويتحرَّر من قيوده؛ لِيُحَقِّق تقدُّم الإنسان ورُقِيَّه بعقله ومناهِجِه العَصْرية الغربية؛ لتطويع الكون لإرادته، واستخراج مُقدَّراته لخدمته.
2-محاولة الإنسان المعاصر رفض النَّمطِ الحضاري القائم، والنظامِ المعرفي الموروث، واستبدال نمطٍ علماني – جديد مُعَلْمَن – تصوغه حصيلةٌ من المذاهب والفلسفات الأوروبية المادية الحديثة به على كافة الأصعدة؛ الفنية والأدبية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية.
التعريف الاصطلاحي للحداثة
مختلف عليه حسب ميدان ممارستها ، ومعظم هذه التعريفات هي مجرد توصيف للحداثة وشرح لها ،
تتنوع تعريفات الحداثة وفقاً لميدان ممارستها، فهي بشكلها العام، توصف بأنّها:
- منهج فكري يتبنى التجديد، نتج عنه أسلوب تعبيري متحيّز لتحديث شكل ومضمون المنتجات الأدبية والفنية، مع إصراره على تجاوز كل ما هو تقليدي في الفن رفضا للصلة بالموروث القديم في الفن والأدب.
ناقش إياها :
-هي مواكبة العصر بمواصلة التجديد في الأشكال الفنية والأساليب الأدبية، فكلمة الحداثة تدل على شيء من الابتكار والإبداع، إذ يقال: هذا أمر مُستحدَث، أي مُبتكَر ومُستجَد، دون مثيل سبقه، ونقيض الحداثة في اللغة القِدَم.
الحداثة والمسرح
لقد فرضت التيارات الحديثة بتجريبتيها وابتكاريتها هيمنتها على الفن المعاصر الذي يركز على التقنية والاسلوب والشكلانية ،إذ اتجهت الحداثة الى الاهتمام والتركيز على الشكل مفضلة اياه على المضمون فجاءت الحداثة في تخليص العروض المسرحية من فكرة تسودها منذُ عصر النهضة تتمثل في تجسيد السلوك البشري بطريقة اعتيادية وهي في العادة نسبية وتعبر عن التغيرات الجديدة في الاشكال الفنية الجديدة، وتتركز مهمة الحداثة في تجاوز ما هو تقليدي في الفن.
نشأ المسرح الحداثي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، أثرت الحداثة إجمالا على المسرح في التحرر من الواقعية نحو الرموز والتجريب ، واستكشاف اللاوعي عبر تقنيات جديدة كالتجريد والقصص غير الخطية، متأثرةً بحركات فنية كالتعبيرية والسريالية والدادائية .
-التعبيرية في المسرح هي حركة درامية ونقدية نشأت في ألمانيا وأوروبا في أوائل القرن العشرين، تهدف إلى تصوير الواقع الذاتي والعالم الداخلي للشخصيات عبر المبالغة والتشويه والخيال لتقديم مشاعر وأفكار قوية. تتسم المسرحيات التعبيرية بأجوائها غير الواقعية والمشاهد المجردة والشخصيات الرمزية، واستخدام لغة تلغرافية، وحركات مسرحية عنيفة وهستيرية، وإضاءة متباينة لخلق تأثيرات نفسية قوية) والسريالية، وشكلت أساسًا لمسرح ما بعد الحداثة الذي تحدى القواعد التقليدية وطرق السرد).
-السريالية في المسرح هي حركة ثقافية تهدف إلى استكشاف العقل الباطن واللاواعي من خلال أعمال مسرحية تجمع بين عناصر الأحلام، العبث، اللاعقلانية، والرمزية، متجاوزة بذلك قيود الواقع المتعارف عليه وتحدي تصورات المشاهدين. ظهرت السريالية في أعقاب الحرب العالمية الأولى كاستجابة للصدمة النفسية للحرب، وسعت إلى تحرير الرغبات والأفكار المكبوتة من خلال ربط العقل الواعي باللاواعي، مستلهمة نظريات سيغموند فرويد النفسية.
-الدادئية في المسرح ( الدادا) وتعني هذه الكلمة بالروسية ) نعم ، نعم ( وفي الألمانية يراد بها عبارة ساذجة ) واشتقاق الاسم ليس عليه اتفاق لكنه ببساطة يشرح طابعا وأسلوبا متمردا على
الوقائع والأحداث والقيم السائدة حينها لتشكل اتجاها فنيا بدأت من عام 1916 م إلى نهايتها عام 1924 م .
فرعٌ من حركة الدادائية الفنية الأوسع، ظهرت كرد فعلٍ على فظائع الحرب العالمية الأولى، حيث تحدت أعراف الفن والمجتمع والمجتمع بتبني العبث والسخرية واللاعقلانية. تميز المسرح الدادائي بطبيعته غير المنطقية، حيث تم تجميع العناصر المتباينة، وكان غالبًا ما يُنظر إليه على أنه شكلٌ من أشكال العبث أو التهريج، مما يؤكد على طابعه المناهض للفن
النشأة في زيورخ: تأسست الحركة في زيورخ عام 1916 على يد فنانين منهم هوغو بال، تعبيرًا عن رفضهم للحرب وما سببت من عبثية وخيبة أمل في المجتمع.
انتشارها: سرعان ما انتقلت إلى مراكز فنية أخرى مثل برلين وباريس ونيويورك، لتصبح حركة دولية.
مدة استمرارها: لم تدم الحركة طويلاً، فقد تلاشت في منتصف العشرينيات مع ظهور السريالية.
خصائص ومميزات الدادائية:
رفض العقل والمنطق: اعتبرت الدادائية أن العقلانية هي التي دفعت الإنسانية إلى حافة الانتحار، ولذلك احتفت باللامعقولية والعبثية والفوضى.
الفن المضاد: كانت بمثابة فن مضاد، حيث تحدت كل الظواهر الجمالية السابقة، ورفضت المعايير الفنية التقليدية.
استخدام المواد غير التقليدية: استخدم الفنانون الدادائيون أشياء جاهزة، وقصاصات، ومواد النفايات في أعمالهم الفنية، مظهرين بذلك روح التمرد والابتكار.
الشعر والأدب: امتد التأثير الدادائي ليشمل الشعر والأدب، حيث كانت هناك أعمال تتسم بالفوضى واللامنطق.
أثر الدادائية:
ولادة السريالية: أثرت الدادائية بشكل كبير على السريالية، التي ظهرت كرد فعل على تطورها، حيث سعى السرياليون لاستكشاف العقل اللاواعي ودوافعه.
مفهوم الفن المفاهيمي: يعتبر الكثيرون الفن المفاهيمي في العصر الحديث امتدادًا للدادائية، حيث يركز الفنانون على الأفكار والمفاهيم بدلاً من المهارات الفنية التقليدية.
-ولما كان النص المسرحي مستهدفا رئيسيا للحداثة كان لابد من توضيح مفهوم بنية السرد غير الخطية إذ تنفصل الهياكل السردية غير الخطية عن السرد الزمني، وتقدم الأحداث خارج التسلسل أو بطريقة مجزأة .
يتيح هذا النهج استكشافًا أكثر تعقيدًا وتعددًا للسرد، مما يتيح تشابك خطوط القصة والجداول الزمنية ووجهات النظر المتعددة. ويمكن للسرد غير الخطي أن يخلق شعورًا بالغموض والتشويق بينما يحاول الجمهور تجميع أجزاء القصة.
يُمكّن هذا الهيكل من التلاعب بالوقت، واستكشاف السيناريوهات البديلة، وكشف المعلومات بطريقة استراتيجية. ويمكن للسرديات غير الخطية أن تُثير فضول الجمهور وتُشركه ، مُشجّعةً إياه على المشاركة الفعّالة في بناء معنى السرد.
تشمل تقنيات السرد المستخدمة في تنفيذ هياكل السرد غير الخطية : الاسترجاع ، والتنبؤ ، والقفزات الزمنية، والسرد متعدد المنظورات، وتجزئة الحبكة. تتيح هذه التقنيات للكُتّاب عرض أحداث القصة بطريقة غير متسلسلة، مما يخلق سردًا معقدًا وجذابًا.
العلاقة بالجمهور
التجريب والابتكار في الشكل والمحتوي لطرق جديدة لعرض الأفكار والعواطف واستثارة الوجدان ، جنوحا للبساطة توظيف تجريدي لعناصر فن تشكيل الصورة المسرحية ( السينوغرافيا) ودمج الموسيقى والرقص وطرق الأداء التمثيلي و الإيماءات والارتقاء برمزية علاماتها وما يتولد عنها من معان لتمثيل الأفكار أو المشاعر تعميقا لتأثير دلالاتها في وعي الجمهور وتواصله ،وصولا لطمس الحدود بين الجمهور والفنانين بمشاركتهم وكسر الحائط الرابع .
ملامح تأثير الحداثة على المسرح:
التحرر من التقليد والواقعية: بحثا عن أساليب تجريبية تعكس المشاعر والأفكار بشكل مختلف، مع التركيز على الابتكار والتجريب في الأشكال الفنية.
التركيز على الرمزية والتجريد: استعاض المسرح الحداثي عن التفاصيل الواقعية باستخدام المشاهد الرمزية والتجريدية، مستلهمًا من الحركات الفنية مثل التعبيرية والسريالية لاستكشاف عالم اللاوعي والتجارب الفردية.
تغيير بنية السرد: تم التخلي عن القصص الخطية التقليدية لصالح قصص غير مترابطة تتقاطع فيها الأفعال، مما يخلق تجربة مشاهدة فوضوية وقلقة تثير الدهشة وتكشف عن دواخل الإنسان.
استكشاف البُعد النفسي والإنساني: اتجه المسرح الحداثي إلى الغوص في أعماق الشخصيات، مؤكدًا على الأنماط السلوكية التي يفرزها اللاشعور، مما جعل الشخصيات تبدو مفتتةً شعوريًا ووجوديًا.
توظيف التقنيات الجديدة: اعتمد المسرح الحداثي على التقنيات الجديدة وتقنيات الإخراج المبتكرة، مثل التداخل بين أنواع التعبير البصري المختلفة كالفانتازيا والرموز، لخلق تجارب مسرحية غير تقليدية.
تأثيرات في الأداء: أثرت الحداثة على الأداء التمثيلي من خلال التركيز على الجسدانية والروحانية للمؤدي، مع توظيف الرقص واللغة الجسدية في التعبير عن المشاعر والأفكار بشكل أعمق.
أساس لمسرح ما بعد الحداثة: يمثل المسرح الحداثي نقطة الانطلاق لمسرح ما بعد الحداثة، والذي يقوم بشكل أساسي على تحدي القواعد والفرضيات السابقة، وخلق تجارب مسرحية تركز على قابلية الحقيقة للخطأ وتشجيع الجمهور على فهمه الخاص.










