بعيداً عن أحاديث السياسة الممجوجة ، فإنني أعترف أن هذه السيدة صالحتني علي الزمان ، علمتني أن النار تزيد الحديد صلابة ومتانة ، وأن السم الذي لايميتني يزيدني قوة ، وأن الدنيا غانية تتلاعب بعشاقها ، وأن النعيم لايدوم ، وأن الشر في الأرض هو الغالب ، وأننا أبناء قابيل !!.
ابنة رئيس دولة غنية ، يجري في أرضها نهران ، ويرقد في باطنها أكبر احتياطي نفط في العالم ، ابنة رئيس ملأ الدنيا وشغل الناس ، نافذ القرار ، مرهوب الجانب ، مُهاب المكانة ، مَسموع الكلمة ، يغمره شعبه بحب جارف ، وتحظي هي بقدر وافر من هذا الحب ؛ فهي قرة عين أبيها ، وابنته وأخته وأمه ، وأقرب الشبه به ، سمتاً وطباعاً ، تعيش قصة حب مكتومة ، فمثلها لايُذاع له سر ، ثم تتزوج من حبيبها الذي شغفت به وهام بها !!.
وفجأة .. تنقلب الدنيا !!.
فإذا القصر المنيف منفي ، وتجوال في العواصم التي تحتضنها ترحيباً وأسفاً وبكاء علي اللبن المسكوب ، وإذا الوطن الغالي رهين المحبسين ، العلوج الأمريكان والفرس المجوس ، يعيثون فيه فساداً وتخريباً ، وفي أهله تعذيباً وتقتيلاً ، العلوج الأمريكان ينتقمون من رجل تمرد عليهم ، وخرج علي نصوصهم ، وقصف ربيبتهم بتسعة وثلاثين صاروخاً ، وتولي بالرعاية شهداء فلسطين ، والعلوج الفرس يثأرون لهزيمة أوقعها بهم ، وأوقف زحفهم للاستيلاء علي مقدساتنا ، وأحرق سفنهم ، وعطل مشروعهم ، فكان الثمن فادحاً !!.
وتقف { رغد } علي الأطلال تحبس دموعها ، وتكتم في صدرها آهات ملتاعة ، وترمق المشهد المأساوي بعينيها الجاحظتين الحادتين ، كأنها زرقاء اليمامة :
أول ما تفجع حين يقتل أبوها زوجها الذي تعشقه ، فأحسبها { جليلة بنت مرة } التي قتل أخوها { جساس } زوجها { كليب } ، فأنشدت باكية حظها العاثر : [ هدم البيت الذي استحدثته | وانثني في هدم بيتي الأولِ ] !!.
ثم يقتل جنود العلوج الأمريكان أخويها { عديّ وقصيّ } ، بعد معركة دامت لست ساعات !!.
ثم يأتي المشهد الموجع ، فتري – وياهول ماتري – مع الملايين والدها الرئيس يُساق إلي حبل المشنقة ، في صبيحة عيد الأضحي ، صحيح أنه مضي رابط الجأش شجاعاً ، رافضاً تكميمه أو تلثيمه ، واضعاً بيده حبل المشنقة حول رقبته ، فهزم الذين جاءوا للشماتة فيه وصفعهم بجسارته ، إلا أن الابنة الحنونة شعرت بسكين يمزق قلبها ، وأن الحبل يلتف حول رقبتها هي ، ولم تستطع شجاعة أبيها أن تواسيها ، وأن تخفف حزنها ، وأن تكفكف دموعها ، وأن تمحو من مخيلتها قساوة المشهد الصاعق !!.
وهكذا اكتملت فصول المأساة ، لكن السيدة التي تسربت إلي جيناتها بعضاً من صلابة جداتها العربيات ، زبيدة والخيزران ، أراها دائماً مثل الرمح العراقي ، شامخة أبية ، عنيدة ، لاتنكسر ، متصالحة مع زمانها الذي أراد ذلتها ، فأذلته هي بصمودها وصبرها وكبريائها !!.









