أن طهران لا تمانع في السماح للمفتشين الدوليين بالعودة إلى المواقع النووية التي تعرضت للقصف، شريطة أن يقترن ذلك برفع العقوبات الاقتصادية. هذا العرض يعكس رغبة إيران في تجنب العزلة، لكن في الوقت ذاته يكشف إدراكها بأن البرنامج النووي أصبح ورقة مساومة أساسية. بعبارة أخرى، إيران تطرح صفقة “الشفافية مقابل الاقتصاد”، محاولة استباق خطوات أوروبا لإعادة العقوبات التي قد تعصف بالاقتصاد الإيراني الهش وتزيد من عزلة النظام داخليًا وخارجيًا.
أن السير خلف واشنطن لن يجلب لها مكاسب استراتيجية، بل سيجعلها معزولة دوليًا. فوفق الرؤية الإيرانية، إعادة العقوبات الأممية ستُقصي أوروبا من أي عملية تفاوض مستقبلية، تاركة المجال للولايات المتحدة كي تتحكم بمفاتيح الملف النووي. هذا التحذير ليس مجرد خطاب سياسي، بل محاولة لإحداث شرخ في الموقف الغربي الموحد وإعادة أوروبا إلى دور الوسيط الذي لعبته في الاتفاق النووي الأصلي عام 2015.
فإن البرلمان الإيراني الذي يهيمن عليه المحافظون يدرس مشروع قانون للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي إذا ما أعيد فرض العقوبات. هذا التناقض يعكس مأزقًا داخليًا: فبينما تسعى وزارة الخارجية إلى فتح قنوات للتفاوض، يلوّح التيار المتشدد بورقة الانسحاب الكامل من النظام الدولي، وهو ما سيؤدي عمليًا إلى إغلاق أبواب الرقابة وفتح الباب أمام تسارع تخصيب اليورانيوم بعيدًا عن أعين الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
أنهم خسروا مكانة الوسيط المحايد عندما اختاروا الانحياز لواشنطن. أشار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يرى في بريطانيا وفرنسا وألمانيا سوى “لاعبين ثانويين”، وضرب مثالًا باستبعادهم من ملفات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا. من وجهة نظر طهران، هذا الإقصاء يوضح أن الرهان على واشنطن لن يمنح أوروبا وزنًا دوليًا، بل يزيد من تهميشها ويقوض مصداقيتها أمام العالم.
أن يربط الملف النووي بالتصعيد العسكري مع إسرائيل، مشيرًا إلى أن تل أبيب اضطرت في حرب يونيو الأخيرة إلى الاعتماد على الدعم الأمريكي المباشر. الرسالة الإيرانية واضحة: “إسرائيل عاجزة عن مواجهة إيران بمفردها”، وبالتالي فإن أي محاولة لإعادة إشعال الحرب ستنتهي بكلفة باهظة على إسرائيل والغرب معًا. هذا الطرح يعزز صورة إيران كقوة إقليمية قادرة على فرض توازن ردع في مواجهة خصومها.
ترى طهران أن الأوروبيين ما زالوا قادرين على تعديل موقفهم قبل الموعد النهائي لإعادة العقوبات. إن التفكير في مصالحهم الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن الضغوط الأمريكية، ملمحًا إلى أن استمرار العقوبات لن يضر بإيران وحدها، بل سيؤدي أيضًا إلى زعزعة استقرار المنطقة، وهو ما ينعكس مباشرة على أوروبا من خلال موجات هجرة جديدة وتهديدات أمنية متصاعدة.
أن فشل الدبلوماسية لن تكون عواقبه محصورة داخل إيران، بل سيمتد إلى المنطقة بأسرها وربما إلى النظام الدولي. تحذيره من “عواقب غير مسبوقة” يوحي بأن طهران قد تلجأ إلى خيارات قصوى مثل الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار أو تسريع برنامجها النووي، ما سيضع المنطقة على حافة سباق تسلح نووي جديد يهدد الاستقرار العالمي. في المحصلة، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام اختبار جديد شبيه بما واجهه قبل عقد من الزمن: إما العودة إلى طاولة المفاوضات عبر حلول وسطية تحفظ ماء وجه الجميع، أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة ستغير ملامح الشرق الأوسط لعقود قادمة.
وبينما تواصل إيران اللعب على خط رفيع بين التهديد والمرونة، يبقى السؤال: هل ستنجح أوروبا في الخروج من ظل واشنطن والعودة كوسيط حقيقي، أم أن الملف النووي سيتحول إلى ساحة مواجهة جديدة بين طهران وخصومها؟
ظهرت خلال الآونة الأخيرة عوامل، دفعت طهران إلى تجديد الحديث حول إمكانية العودة لطاولة المفاوضات بشأن برنامجها النووي، بعد أن كانت قد استبعدت، خلال فترات سابقة، هذا الأمر، وأعلنت أنه ليس ضمن اهتماماتها، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك العوامل على النحو التالي:
1. تشكيل الحكومة الجديدة: شجّع فوز الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بدعم قوي من التيار الإصلاحي، على إعادة الحديث حول التفاوض على برنامج إيران النووي، بغية رفع العقوبات التي أثقلت كاهل الاقتصاد الإيراني، وأدّت إلى اتساع مساحة السخط والاستياء الشعبي من سياسات النظام؛ إذ تعهّد بزشكيان، خلال حملته الانتخابية، بأن يكون رفع العقوبات، (وما يعنيه ذلك ضمناً، من إمكانية التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي مع الغرب)، على رأس اهتمام حكومته. كما أن اختياره عباس عراقچي، والذي شارك مع وفد بلاده في المفاوضات التي أفضت إلى توقيع الاتفاق النووي في 2015، وترأس المفاوضات التي جرت خلال الستة أشهر الأخيرة من عهد حكومة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، حول إحياء هذا الاتفاق، إشارة بالغة الدلالة إلى استعداد النظام والحكومة في إيران، للانخراط في مفاوضات مع الغرب، وقد صرّح عراقچي، عقب توليه حقيبة الخارجية الإيرانية، أن المفاوضات “مُهمة وواجبة للحد من تكاليف العقوبات على الشعب”.
يُضاف إلى ذلك، أن تعيين وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، في منصب نائب الرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، بعد أن كان قد تم تكليفه برئاسة اللجنة التوجيهية التي وضعت أسماء مقترحة لتولي المناصب الوزارية، يعكس أيضاً سعي بزشكيان وحكومته للعودة إلى طاولة المفاوضات حول برنامج إيران النووي.
وجدير بالذكر أن بزشكيان وعراقچي وظريف قد أكدوا جميعهم التزامهم بما يُسمّى “القانون الاستراتيجي لرفع العقوبات”، والذي كان قد أصدره مجلس الشورى في 2020، ويقضي بمواصلة إيران تصعيدها النووي؛ بما يعني أن استعداد إيران لإحياء المفاوضات النووية مع الغرب، يظل مشروطاً بالحفاظ على المكتسبات النووية التي تم تحقيقها خلال السنوات السابقة؛ وهو ما يمثل عائقاً أمام أي محاولة لإحياء المفاوضات، كما سيأتي تفصيله لاحقاً.
كما أشارت تقارير عديدة، في مايو 2024، إلى أن اختيار مستشار المرشد، علي شمخاني، لتولي ملف المفاوضات النووية مع الغرب قد يدفع أيضاً باتجاه العودة للمفاوضات مع الغرب؛ إذا ما استمر في عهد حكومة بزشكيان. فقد وُقِّعَ اتفاق 2015، إبان تولي شمخاني أمانة مجلس الأمن القومي الإيراني، كما يلقب شمخاني، بـ”رجل الصفقات”؛ إذ إنه نجح في التوصل إلى اتفاق استعادة العلاقات الذي وُقِّعَ بين إيران والمملكة العربية السعودية، في 10 مارس 2023، برعاية صينية.
2. اقتراب “يوم النهاية” للاتفاق النووي: تسعى طهران إلى إحياء التفاوض مع الغرب، قبل 18 أكتوبر 2025، وهو تاريخ انتهاء الاتفاق النووي المُوقّع في 2015 والقرار الأممي 2231، الذي يمثل المظلة الأممية له، ويعني يوم النهاية بالنسبة للاتفاق؛ خروج إيران من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وإلغاء العقوبات الأممية التي كانت مفروضة عليها قبل توقيع الاتفاق المُشار إليه بشكل كلي.
ويدرك الأوروبيون أنه، بعد 18 أكتوبر 2025، لا يجوز إعادة العقوبات الأممية مرة أخرى على إيران، وما يجوز لهم، بعد هذا التاريخ، هو عرض ملف برنامج طهران النووي على مجلس الأمن الدولي، وفي هذه الحالة قد يواجه بفيتو روسي وصيني؛ ومن ثم الفشل في فرض عقوبات أممية عليها مرة أخرى.
لذا؛ فإن إيران تحاول أن تفوّت على الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) المشاركة في الاتفاق، فرصتها الأخيرة في استخدام ما يُسمّى بـ”آلية الزناد”، والتي تعني العودة التلقائية للعقوبات الأممية التي كانت مفروضة على إيران، في حال اشتكى أحد أطراف الاتفاق النووي لمجلس الأمن من انتهاك واضح لإيران لبنود الاتفاق.
وبالرغم من صحة الرأي القائل إن الاتفاق بات حبراً على ورق؛ فإن أحداً لم يعلن بشكل صريح انهياره، ربما لتفادي التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية التي قد تترتب على ذلك، كما أن الترويكا الأوروبية امتنعت عن استخدام “آلية الزناد” طيلة السنوات الماضية؛ تفادياً لأن يسفر ذلك عن خروج إيران كلياً من معاهدة حظر الانتشار النووي على سبيل المثال، واستعاضت عن ذلك بفرض حزم متتالية من العقوبات على إيران، كما أعلنت الإبقاء على الحظر المفروض على برنامجيْها للصواريخ البالستية والطائرات المُسيّرة، رغم نص الاتفاق على انتهاء ذلك الحظر في 18 أكتوبر 2023، في أول مخالفة صريحة من جانب الأوروبيين لنص الاتفاق، رداً على استمرار تطوير إيران لهذيْن البرنامجيْن، ودعمها لموسكو بالأسلحة في حربها ضد أوكرانيا.
3. استثمار التوترات الإقليمية: تحاول إيران توظيف الأوضاع الإقليمية الملتهبة منذ اندلاع عملية “طوفان الأقصى” في قطاع غزة الفلسطيني، في 7 أكتوبر 2023، وما أعقبها من اشتعال جبهات أخرى في المنطقة، في تحقيق مكاسب خاصة بها، ومنها محاولة إحداث اختراق في ملف المفاوضات النووية المتعثر. إذ لم تنقطع الاتصالات غير المباشرة بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، منذ اندلاع الصراع بهدف ضبط إيقاعه ومنع انزلاق الأوضاع إلى حرب إقليمية، وكشفت طهران عن جولتيْن من المباحثات، عُقدت إحداهما في يناير والأخرى في مايو 2024، في سلطنة عُمان.
عقبات قائمة:
رغم وجود العوامل التي تدفع إيران باتجاه إبداء الاستعداد للعودة للمفاوضات النووية، فإن ثمّة عوائق تجعل ذلك صعباً؛ ولاسيما في الوقت الحالي، ويمكن الإشارة إلى أبرزها على النحو التالي:
1. مواصلة طهران تصعيدها النووي: استغلت إيران حالة الانشغال الدولي والإقليمي بالأوضاع المضطربة في المنطقة، في تطوير برنامجها النووي، وقد كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في تقريرها الفصلي، والصادر في 28 أغسطس 2024، أن مخزون طهران من اليورانيوم المُخصّب بنسبة 60% (وهي نسبة قريبة من المُخصصة لإنتاج الوقود اللازم لصناعة السلاح النووي وهي 90%) قد زاد، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بمقدار 22.6 كيلوغرام، ليصل إلى 164.37 كيلوغرام، في حين زاد مخزونها من اليورانيوم المُخصّب بنسبة مختلفة بنحو 676 كيلوغرام، ليصل هذا المخزون إلى نحو 6201.3 كيلوغرام؛ أي أكثر من 30 ضعف الحد المسموح به في اتفاق 2015. كما أوضحت الوكالة أن إيران، لا ينقصها إلا كيلوغراميْن فقط، لصنع 4 قنابل نووية، في حال اتخذت قراراً بذلك.
ويأتي ذلك التصعيد النووي من جانب إيران، رغم قرار الوكالة، في اجتماعها الأخير الذي عُقد في مايو 2024، الذي يطالب طهران بالتعاون مع الوكالة، وإعادة المفتشين الذين تم طردهم في سبتمبر 2023، وتقديم إجابات حول آثار اليورانيوم التي عُثر عليها في مواقع غير معلنة، وتسليم تسجيلات كاميرات المراقبة في منشآت نووية إيرانية؛ إذ لم تستجب طهران لأي من تلك المطالب.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










