في زمنٍ ليس ببعيد، كان العبد يعيش في كنف سيده، لا يتقاضى أجرًا، لكنه كان يحصل على سقف فوق رأسه، طعام لا بأس به، وجرعة يومية من الإهانة المجانية. أما اليوم، مع نسميه التطور المهني والإداري، فقد كان رأي أصحاب القرار بماد يتكلفون كثيرا في طعام وكسوة العبيد ، بينما يمكنهم أن يدفعوا للعبيد الجدد الفتات ليشترون هم بأنفسهم قيودهم؟
العبد قديما كان يعرف سيده بالاسم، وربما حتى يلعنه في سره. أما الموظف في وقتنا هذا -وأنا منهم – ، لا يعرف من يملكه فعلًا. هل هو المدير؟ أم مجلس الإدارة؟ أم تقرير الأداء السنوي ؟
والعبد كان يُجبر على العمل، نعم، لكن لم يكن عليه أن يقلق بشأن الإيجار، الفواتير، أو “تحقيق التوازن بين الحياة والعمل”. الموظف، بالمقابل، يعمل ليلاً ونهارًا ليشتري حياةً لا يملك وقتًا ليعيشها.
حقيقة أن العبد كان يُضرب بالسوط، أما الموظف فيُجلد بالبريد الإلكتروني، الاجتماعات، والتقييمات السنوية التي تبدأ بـ “نحن نقدر جهودك، ولكن…”.
-العبد كان يأكل ما يُقدم له، دون أن يقلق بشأن السعرات أو التضخم. الموظف، بعد خصم الضرائب، يشتري وجبة سريعة لا تحتوي على طعام حقيقي، لكنه يبتسم وهو يأكلها لأنه “حر”.
العبد لم يكن بحاجة إلى بطاقة ائتمان. الموظف يعيش على الدين، يشتري هاتفًا ليجيب على رسائل العمل، وسيارة ليصل إلى المكتب الذي يكرهه، ثم يُقال له إنه “محظوظ لأنه يملك وظيفة”.
العبد لم يُخدع يومًا بأنه حر، فد كان يعرف وضعه جيدًا، أما الموظف، فيُقال له إنه “جزء من الفريق”، “صاحب تأثير”، “قائد في موقعه”، بينما قد يُمنع من استخدام الحمام إلا بإذن.
العبد لم يكن عليه أن يبتسم لسيده أو يطرق باب كل صباح ليلقي عليه السلا ، أما الموظف فكل صباح يُجبر على ارتداء قناع السعادة أثناء روتينه اليومي عند إلقاء السلام على مديره ، ويُعاقب إن لم يكن “إيجابيًا” في بيئة العمل.
في النهاية، العبد كان يُباع مرة واحدة، أما الموظف يُباع كل يوم، بساعات عمره، بصحته النفسية، وبأحلامه التي تموت على آلة الحضور والانصراف.










