يبدأ بكلمة أو إشارة تُخبرهم بها عن موافقتك على مُرادهم، ويتجلى في إيماءة رأس تُعبِّر عن رضاك، أو لنقل استسلامك، للقيام بدور لم يكن بالأساس دورك، لحظة ضعف إنساني نمت في ظل عاطفة جياشة تملكتك، استعبَدَتك ودفعت بك إلى طريق مهَّده الآخرون لك، واقع جديد، أو بالأحرى فخ كبير من تنازل لا نهاية له، ينتظر قدومك كل يوم، يُشجعك على المضي في متاهة من الأفعال التي سوف تُرهقك، يُحركك إلى حيث شاء، ثم يُملي شروطه عليك.
تبدأ في التنازل من بعدها تباعًا، الخطوة منك تلو الأخرى، تُطبق ما وافقت عليه ورضيت به منذ البداية. تألف نفسك ذلك وتوحي لك بأنه شيء عادي، وما إن تشكو من ثقل الحمل الذي حملته بإرادتك، حتى تلومك على استرسالك في تفاصيله.
تلتهمك الحيرة لتُوقِع بك في فخ التنازل الزئبقي البارع. إنه يَروغ منك كلما حاولت الإمساك به، ثم يُرغمك على السير في مداره اللا نهائي.
يُمعِن في استنزاف طاقتك، يسوقك أمامه وكأنك أصبحت عبدًا له فهو سيدك، لا رأي لك ولا هوية، لا كيان لك أو هدف. يدعوك أن تمنح البعض بعض وقتك، ثم يُدبِّر في الخفاء خططًا تستغل كل وقتك وسلْوَى نفسك. يُقيم حفله الصاخب يوم تأكده من سقوطك في فخه الأبدي، في رحلة ذهاب بلا عودة.
تثور نفسك أحيانًا عليك، تُعاتبك، ترجوك أن تُرفِق بها وبقلبك، تُحذِّرك من الانقياد نحو مجهول تم إعداده بحنكة كي يَنال منك أو يقضي عليك. تُذكِّرك بأن الشكر على ما تُقدمه لن تحصده، فما تفعله لن تجني من ورائه إلا الإرهاق والتعب، مشقة سطرها الآخرون على جبينك لكي تُقدم ما تُقدمه وتفعل ما تفعله.
الناس جميعًا يبحثون عمن يُشبهونك في عطائك، في محبة وحنان يَسكنان قلبك، لا يتورَّعون عن استغلال هؤلاء جميعهم، فيُحكمون قبضتهم عليهم، يُحركونهم كالدمى بأيديهم، يُمَنُّونهم بأن ما قدموه سوف يُقابل بامتنان بالغ وعظيم شكر.
يتحول حُسن الظن إلى وهم كبير، لِمُستحيل لا يجد له مكانًا فوق هذه الأرض، لا تفزع إن رأيت يومًا حربًا ضروسًا تنتظرك، وأنفُسًا تتأهب لمنازلتك، لا تغضب إن تحولت الأماني إلى سراب هائل أو طفتَ فوق مياه بحر من عدم، ولا تَلُم إلا نفسك التي ارتضت أن تُعطي عطاءها بكامل طاقتها، ولا تتعجب؛ فأغلب الناس لا يملكون قلبًا كقلبك.
إن شِئتَ فقُم بإعادة حساباتك، وقنِّن عطاءك واحفظ لذاتك حقها في العيش بسلام دون استهلاك أو ضرر، وامتنّ لذاتك إن لم تجد الجزاء الذي تستحقه، وادعم إنسانيتك الراقية ووَجِّهها في جهات أخرى؛ فـالعطاء المُشرَب بالمحبة والحنان من الأولى به أن يصل لمن يُقدِّرونه ويستحقونه.










