فى اعتقادي وملتي أن هذا الطرح يحمل ما يحمله من الآلام والآمال ، وتطلعات شعب هذا الوطن الحبيب مصر أم الدنيا.
نعم من حقنا أن نتمتع بخيرات بلدنا ونحيا حياة تليق بنا ، تليق بإنسان كرمه الله من فوق سبع سنوات ، لكن كيف يتحقق ذلك.؟!
فإنه عندما ننبري للكتابة عن موضوع معين قد يختلف معنا كثيرون وقد يتفق أيضا كثيرون ، فالاتفاق والاختلاف سنة كونية ، بل ويكسب موضوعنا محل النقاش حركية وديناميكية ومواكبة للواقع الذي نحياه.
لكن عندما نمسك أقلامنا ونتصدر للكتابة عن مصر ، فالأمر قد يكون مختلفا ، فليس ثم وطني مخلص محب لترابها وشعبها إلا ويقف صحرا منتبها متأدبا عند الحديث عنها ، حتى وإن نقد فلينقد كيفما يشاء لكن نقده ينبغي أن يكون نقدا موضوعيا بناءً يبتغي من وراءه النصح والارشاد للإصلاح لا للهدم والتدمير ، لا يستغل ظرف معين تمر به البلاد شأنها شأن أية دولة من دول العالم ، فليس ثم رغد على الدوام وليس ثم ضائقة على الدوام.
لا يستغل مثلا ظروف إقتصادية عالمية ضربت العالم بأسره فيصب وابلا من اللعنات والشتائم والسباب متأففا من هذه الأزمة ، نقول لأمثال هؤلاء ، لماذا نسيتم الخير الذي قدمته لكم مصر ، ألم تتعلموا في مدارسها ، جامعاتها ، ألم تعملوا في مؤسساتها.
ألم تنعموا بالأمن والأمان والسلم والاستقرار ، إلتفتوا حولكم واعتبروا مما يحدث فى العالم من حوالينا الآن ، صراعات ، نزاعات ، خلافات ، حروب ، السودان ليس منا ببعيد ، فلسطين ، الصومال ، حرب روسيا وعدوانها على أوكرانيا ، لماذا لم تتذكروا جنودنا البواسل وجيشنا المرابط على الحدود ، صمام أمان من كل الجهات والاتجاهات.
لا تجعلوا من انتقاداتكم لظروف معينة تمر بها البلاد ذريعة يتخذها المحبطون المثبطون الذين يريدون بث روح اليأس عند عوام الشعب ، اجعلوا نقدكم نقدا موضوعيا منهجيا ، ولا تجعلوه نقدا مذهبيا سوفسطائيا هداما.
ورب واحد يجابهني بسؤال ، أليس من حق الشعب أن يحيا حياة كريمة ، يأكل ويشرب ويسكن سكنا يليق بآدميته ويتزوج ويتعلم تعليما جيدا ، أليس من حق الشعب أن يشعر بالرفاهية ، أن يركب مواصلات نظيفة وجميلة بأسعار في متناول متسع يده ، أليس من حق الشباب الذين يتخرجون من الجامعات أن يجدوا فرصة عمل طيبة بدخل مرضي يعينهم على الحياة.؟!
نعم هي أسئلة مشروعة ومطالب ليست صعبة المنال ومن الممكن أن تتحقق بكثير من الصبر ، والالتفاف حول رئيسنا وحول قادتنا الذين هم جنود مجهولة في هذه المعادلة التي يظن المثبطون للهمم أنها معادلة فك شفيراتها صعبة وعصية ، لكن ليس ثمة معضلة إلا ولها الحل الناجع ، فالمصري الذي هزم جحافل التتار ، وحطم جيوش الإنجليز والفرنسيس ودحر العدوان الثلاثي ، ودمر أسطورة بارليف الجيش الذي لا يقهر ، قادر على التجاوز ، تجاوز هذه المحن بمنتهى الصبر والعزيمة والإصرار على المواجهة ، كان من الممكن أن يتولى الرئيس زمام الحكم وتنقضي مدته دون أن نشعر بأي تغيير ، في شتى مناحي الحياة في مصر ، انظروا إلى السياسة الداخلية كم حزب سياسي في مصر الآن ، كم انتخابات تمت ، انظروا إلى السياسة الخارجية ، بحنكة الرئيس وصقوره فرضنا أنفسنا على كل دول العالم واصبحنا ندعى إلى المنتديات العالمية السياسية وأصبحت لنا الكلمة والمشورة ، في الناحية الاقتصادية ، الانضمام إلى مجموعة بريكس ليست منا ببعيد والتي ستكون فتحا اقتصاديا عظيما سينعكس أثره على كل مواطن في هذه البلدة الطيب أهلها ، ناهيكم عن الاستثمارات العملاقة التي بلغت المليارات من الدولارات ، رأس الحكمة ليست منا ببعيد ، لكن خلق الإنسان من عجل ، دوما ما نتعجل جنى الثمار.
انظروا أيضا إلى إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإعادة بنائها من جديد بعد أن نخر السوس جدرانها ، ومن ثم تحملت الدولة المسؤولية وضربوا الفساد واطاحوا بأهله.
أيضا انظروا إلى البنية التحتية للدولة ، ولى زمن الترقيع ، محطات مياه عملاقة ، شبكات صرف صحي امتدت حتى وصلت إلى القرى والنجوع ، محطات توليد كهرباء جديدة ، شبكات طرق وكباري ربطت العاصمة برباط محكم فبعدما كنا نذهب في قضاء مصلحة نستغرق ساعات طويلة بات الأمر هينا يسيرا أليس كل ذلك تم بالفعل ، أليست هذه نقلة جديدة ونهضة حضارية تواكب العصر ومستجداته ، حتى إذا ما وصلنا إلى الثورة التسليحية ، قوة الردع فحدثوا ولا حرج ، أحدث أسطول طيران حربي بكل أنواعه ، فرقاطات ، كليات ومعاهد عسكرية استحدثت ككلية التمريض والطب العسكري تواكب أحدث المستجدات العالمية في الطب.
ناهيكم عن ما كنا نعيشه من حوادث إرهابية ملأت البلاد هنا وهناك ، خفافيش ظلام ، تضرب ضربتها وتعود لجحورها كالجرذان ، أين هي الآن ، تم دحرها فلم يعد لها وجود ، من الذي طهرنا من هؤلاء الأنجاس القتلة ومن كان يرعاهم ، حدث ذلك في مصرنا المعاصرة ، نعم حدث.
إن فلسفة بناء الإنسان المصري المعاصر ترتكز على عدة أمور.
أولتها: البناء الروحي لهذا الإنسان المصري الذي يحمل ما يحمله بداخله من حب لوطنه ، لكن هذه العاطفة وهذا الحب يريدان من يخرجهما من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل ، بمعنى إخراج هذا الجانب الروحي في الإنسان وجعله يسيطر على جانبه المادي أو بمعنى أدق إعادة التوازن النفسي لهذا الإنسان المصري الصبور ، لكن كيف يكون ذلك ، يكون عن طريق تنمية روح المواطنة ، هي موجودة بداخله فعلا لكن إثارة حميته عن طريق خطاب إعلامي منضبط يوجهه إلى حب وطنه وألا يستمع إلى الشائعات والقيل والقال ، كذلك عدم دغدغة مشاعر هؤلاء البسطاء بإبراز هؤلاء الأثرياء وهم يتحدثون عن قصورهم وسياراتهم ومقتنياتهم ،هؤلاء إن صدق حدسي أبعد ما يكونون عن المواطنة ، لكن الذي سيدافع عن وطنه هؤلاء البسطاء بكل ما أوتو من قوة.
وهنا يأتي دور علماء الدين عن طريق خطاب ديني متجدد يوضحوا فيه أهمية حب الوطن وأنه من الإيمان ومن فروض العين لا يملون الدعوة إلى ذلك ، في كل مناسبة ، حتى لو مناسبات قومية ، فشعبنا طيب عطوف روحه سمحة بطبيعته.
ثانيتها: البناء المادي لهذا الإنسان المصري المعاصر ، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال الاهتمام به سياسيا ، عن طريق مشاركته في الحياة السياسية ، وعن طريقة الشفافية والمصارحة والمصداقية في طرح المشكلات وكيفية معالجتها ، وقد شاهدنا ذلك مرارا وتكرارا في خطابات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ، رأينا ذلك في مؤتمرات الشباب ، والحوارات الوطنية ومخرجاتها التي هي قيد التنفيذ الآن.
أيضا النهوض بهذا الإنسان إقتصاديا عن طريق العمل الجاد على تحسين دخوله وتحسين رواتبه ، وتوفير حياة كريمة له وتوظيف كل ثروات البلد لخدمته ولخدمة ذويه.
كذلك النهوض بالإنسان في مجال التعليم سواء الإلزامي أو الجامعي أو ما بعد الجامعي ، عن طريق تحقيقات العدالة في التعليم ، بمعنى ليس من العدالة أن يتعلم افضل تعليم من يمتلك المال وإنما التعليم لابد أن يكون متاحا للجميع ، النهوض بمدارسنا ، بمعلمينا ، بالمنشآت التعليمية والإدارات التعليمية وتطهيرها من بؤر الفساد ، كذلك التوسع في إنشاء جامعات جديدة ، أعني ما اقول جامعات حكومية جنبا إلى جنب مع الجامعات الخاصة والأهلية ، وإدخال علوم جديدة بمقررات دراسية جديد تتواءم مع سوق العمل خصوصا ونحن الآن على أعتاب سيطرة الذكاء الاصطناعي والرقمنة والميتافيرس ، ثورة معلوماتية على كآفة الأنظمة ومنها النظام التعليمي ، مع التنبيه على ألا نغفل دور وأهمية العلوم الإنسانية التي هي في أساسها غذاء للروح وبناء للإنسان وبناء لشخصيته.
إذا أردنا تحقيق فلسفة ناجحة لبناء إنسان مصري معاصر يعيش في دولة مؤسسات وقانون مثل مصرنا الغالية التي تسعى سعيا حثيثا للنهوض بهذا الإنسان من خلال تنمية مستدامة ، فينبغي أن تكون هناك منهجية منظمة وتخطيط سليم ، وهذا يقودنا إلى النقطة الثالثة.
ثالثتها : المنهجية والتخطيط الاستراتيجي الدقيق ، فلا يمكن بحال من الأحوال أن تقوم دولة على العبث والفوضى ، وإنما عن طريق منهجية في التفكير تقوم على التخصص الدقيق فعالم الاقتصاد يوكل إليه شؤون الاقتصاد ، الخبراء التربويون يتعهدون التربية والتعليم ، وهكذا في كآفة المجالات ، مع مراعاة الرأي والمشورة دونما إنفراد بقرار عفوي يقودنا إلى التيه والضلال.
أستاذ الفلسفة بآداب حلوان.










