ثم افترقنا..
لم يكن يختبر صبري..
بل كان يختبر وجعي..
وحزني، وفشلي الدائم..
كان يعلم أني شديد التعلق..
فكان يتعمد الغياب..
وأنا محض قلب..من هشاشة وعد قُدَّ..
ينكسر إذا عانقته نسمة.. فكيف أتحمل صفعة عاصفة..
نحن يا سيدي لم نفترق..
ولكنني أجبرت على الرحيل..
على أن أرفع يدي لألوح..
كان يظنه وداعا.. كما يفعل الجميع..
لكنني كنت أستغيث..
كنت أفاوض الموت على جولة أخيرة..
محض فرصة.. أضع خلالها أثقالي وأستريح..
لكن سيف التخلي كان أسبق إلى القصة من كل محاولات التوسل..
كان علينا أن ننتهي..
وأن نعود من حيث بدأنا..
لكن..
من يخبر تلك الحرائق بداخلنا؛ أننا صرنا رمادا لا يستحق كل هذا الجهد..
من يرتب الطرقات المبعثرة مرة أخرى..
من يقنع الأقدام التي جرحها الذهاب أن تعود.. وهي-قطعا-لن تنجو من فخ الحجارة..
من يمحو عن تلك الخطى وزر المتاهة..
ونحن حين استبقنا الباب إلى الفاجعة.. لم نحسب المسافة بين اللهفة واللعنة..
وبين الظمأ والسراب..
فكيف يعود المرء من حكاية الأمس؟!..
وفي الغد جرح ينتظر..
أكبر من كل اعتذارات الدنيا..
أكبر من الخيط.. من الإبرة..
ومما في مخيلة ضماد يناضل..
جرح.. أخذل من النسيان..
وأقسى من ذلك القلب الذي اخترق حواجز الصمت..
ليقتلك بيد..
وبالأخرى.. يضع على القبر وردة..
ثم يذهب بدم بارد..
ليبكيك في حلم قديم.. ويصلِّي..
ليتناسى..
أنه أهال عليه التراب.. منذ وثبة الخيبة التي اجتاز فيها عتبات خياله الجاحد..
فذهب ليُجْهِزَ هذه المرة..
على عابر سبيل ألجأته السنون إلى ذلك الظل الطويل..
ذلك الذي خلع عنده-جهلا-عوالمه القديمة.. وباع لأجله الضحكات..
المرء يا سيدي يصمت احتراما لقدسية الأشياء..
ربما الموت..
ربما الحزن..
ربما ذلك الألم..
حين تتضاءل في حضرته الكلمات..
فيموت الوصف مرغما..
ويترك على الشفاه ضحكة ساخرة..
على سبيل بكاء مهذب..
أو رسالة عتاب منسية..
تحت عتبة (كان)..
ستُغلقُ بعدها الحياة إلى الأبد..
ويُفتح باب آخر..
دعوة إلى مائدة الأسى..
لم يبق أمامك غيره..
فكيف بك ألا تلبي؟!..
انتهى..
النص تحت مقصلة النقد..
بقلمي العابث..










