عن ظاهرة التعالي على الجمهور باسم ما بعد الحداثة
من أكثر العبارات التي تتردد على ألسنة بعض المخرجين في عالمنا العربي اليوم هي ( الجمهور لا يفهم … عرضي أعمق من وعيه ولهذا عليه أن يرتقي فكريا وفنيا ليفهم ما يجري على الخشبة )! ههههههههههه !
مرددو هذه الجملة الركيكة فنا ووعيا! في الحقيقة لا يدافعون عن فن طليعي كما يزعمون… بل يغطون فشلهم بعباءة الوعي العالي وادعاؤهم امتلاكه بلا دليل.
مسرح ما بعد الحداثة ، الذي يستندون إليه لتبرير غموض وتشتت خطاب عروضهم ، لم يكن يوما دعوة للتعالي على المتلقي ولم يزعم أي من أساطينه ذلك ، بل أن عروض هذا المسرح حتى في غموضها …. جاءت لتحرير المتفرج من سلطة المبدع أصلا وإشراكه في بناء المعنى. فالجمهور هو مرآة العرض! وإذا لم ير نفسه فيه … فلن يرى شيئا!
ما قيمة ( وعي مخرجنا العالي جدا ) إن لم يترجم إلى أثر في وجدان من يشاهد عرضه ؟ وما جدوى التجريب إن كان لا يترك سوى الصمت الموحش في قاعة يتسلل منها المتفرجون واحدا تلو الآخر بسبب تعالي الرؤية الإخراجية وانتقال عدواه إليهم؟
اعتقد أننا بحاجة ماسة… لإعادة التذكير بقول المخرج الأميركي روبرت ويلسون ” أحد أرباب مسرح ما بعد الحداثة ” فهو يشدد على أن ( التأويل ليس من مسؤولية المخرج أو المصمم ، بل هو من حق الجمهور… ولهذا نصنع المسرح من أجله ) هذا القول وحده كاف وكفيل بإسقاط أي ادعاء أو زعم يرى أن الغموض يبرّر الاستعلاء. التجريب الحق لا يقوم على إهانة الجمهور… بل على توسيع أفق مشاركته وانغماسه في العرض بوصف وجوده هو المسرح نفسه كما تقول مؤسسة مجموعة ووستر المسرحية إليزابيث ليكومبت ( وجود الجمهور هو المسرح … ومن دونه لا يكون ).
متفرجك عزيزي المخرج ” المتعالي ” إذن ليس كائنا هامشيا … بل أساس الوجود المسرحي ذاته! فكيف تجرؤ على احتقاره أو اتهامه بالجهل؟ لا ينبغي لأي مخرج أن يتجاهل أن المسرح ” كما يذكرنا أبونا الذي علمنا سحر التجريب بيتر بروك ” هو عقد ثقة أخلاقي قبل أن يكون عرضا بصريا! يقول بروك ( الناس قد ائتمنوك على أنفسهم لساعتين أو أكثر … وعليك أن تبادلهم احتراما نابعا من ثقتك بما تقدمه)
بمعنى … احترام الجمهور لا ينتقص من الفنان ، بل يرفعه! والمخرج الذي يتهم الجمهور بالجهل لا ينتمي إلى ما بعد الحداثة ، بل إلى ما بعد الموهبة! وهو يجهل أن ريتشارد فورمان ، أحد أكثر المخرجين تجريبا وغموضا … قال عن مغادرة الناس قاعة عروضه ( لم أكن سعيدا بذلك ) فهو لم يعد نفور الجمهور وساما لوعيه المسرحي ، بل جرحا للتجربة المسرحية ذاتها!
الأكثر إحباطا مما ذكرنا أعلاه هو أن البعض حينما يواجهون بهذه الحقائق التي يجهلونها على ما يبدو! يرددون بغطرسة مجافية للعمق المعرفي ( نحن في تجاربنا تجاوزنا بروك وويلسون وفورمان وغيرهم ممن سبقونا … فهم مرحلة وانتهت ) ههههههه !
يثبت هؤلاء قصورهم باستيعاب حقيقة أن التجاوز لا يتم بإنكار الكبار ، بل بفهمهم أولا. أن تتجاوز بروك يعني أن تضيف إلى رؤيته ، لا أن تهدمها.
هذا التجاوز المزعوم ، هو ما يسميه النقاد الغربيون ( ما بعد حداثة بلا أساس ).
ختاما وخلاصة القول … أن من يهاجم جمهوره يعلن عجزه لا تفوقه. الغموض البنّاء يفتح أبواب التأويل ، أما الغموض الزائف فيسدها جميعا! والمسرح الذي يحتقر جمهوره يفقد روحه ، مهما تلثم بالفلسفة… وصناع عروضه يمارسون سلطة فوقية لا تختلف عن الاستبداد الثقافي الذي طالما ادعى المسرح التحرر منه.










