ليس كل تطوير إصلاحًا، وليس كل تمسك بالقديم محافظة على الهوية. وبين هذين الطرفين يقف التعليم الأزهري اليوم أمام اختبار مهم مع طرح نظام البكالوريا المصرية. فالقضية لم تعد: هل نقبل النظام الجديد أم نرفضه؟ بل أصبحت: كيف نطوّر التعليم الأزهري دون أن نفقد ما جعل الأزهر منارةً للعلم والوسطية لأكثر من ألف عام؟
إن تطوير التعليم لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها المتغيرات المتسارعة في العالم، حيث أصبحت المعرفة وحدها لا تكفي، وأصبح المطلوب هو بناء إنسان يمتلك القدرة على التفكير، والتحليل، والإبداع، والتكيف مع المتغيرات. غير أن خصوصية الأزهر الشريف تفرض أن يكون التطوير نابعًا من هويته، لا بعيدًا عنها.
فالأزهر ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل مدرسة حضارية أسهمت عبر تاريخها في بناء الإنسان، وترسيخ قيم الوسطية، وصناعة علماء حملوا رسالة الإسلام إلى العالم. ولهذا فإن أي تطوير داخل هذه المؤسسة العريقة يجب أن يحافظ على رسالتها، وأن يعززها بأدوات العصر.
ويمتاز الطالب الأزهري بأنه يجمع بين دراسة القرآن الكريم وعلومه، والحديث الشريف، والفقه، والعقيدة، واللغة العربية، إلى جانب العلوم الحديثة من رياضيات وعلوم ولغات. وهذه الميزة تمنحه تكوينًا علميًا وثقافيًا متوازنًا، لكنها تفرض أيضًا مسؤولية أكبر، وتجعل نجاح أي نظام جديد مرتبطًا بقدرته على مراعاة هذه الطبيعة الخاصة.
ومن هنا، فإن نجاح البكالوريا الأزهرية لا يتوقف على تغيير نظام الامتحانات، بل على تطوير البيئة التعليمية بأكملها. فالتعلم القائم على البحث، والمشروعات، والتفكير النقدي يحتاج إلى وقت، وإلى معلم مؤهل، وإلى بيئة تعليمية تسمح للطالب بالتجربة، لا بالاكتفاء بالحفظ.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ننشغل بتغيير شكل الامتحان، بينما يبقى السؤال الأهم بلا إجابة: هل أصبح الطالب أكثر قدرة على الفهم؟ وهل أصبح المعلم أكثر قدرة على الإلهام؟ وهل أصبح التعليم أكثر اتصالًا بحياة الناس؟ فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المواد، ولا بشكل الشهادة، بل بالأثر الذي يتركه في عقل الطالب وشخصيته.
كما أن نجاح هذا التحول يتطلب الاستثمار في المعلم الأزهري، من خلال برامج تدريبية حديثة تمكنه من توظيف التقنيات التعليمية، وإدارة الحوار، وتنمية التفكير النقدي، وربط العلوم الشرعية بقضايا الواقع، بما يحافظ على أصالة الرسالة الأزهرية ويجعلها أكثر قدرة على مخاطبة العصر.
ولا يقل عن ذلك أهمية توفير بنية تحتية رقمية متكاملة في جميع المعاهد الأزهرية، حتى يحصل كل طالب، في المدينة والقرية على السواء،
معلم بالأزهر الشريف










