نصر أكتوبر 1973 لم يأت صدفة, بل كان حصيلة سنوات من العمل المضنى والتخطيط الدقيق, وجهد تدريب لايقل فى شدته عن القتال الفعلى, فهذه السنوات التى سبقت أكتوبر كانت مرحلة إعداد غير مسبوقة, والقوات المسلحة بذلت فى التدريب أضعاف ما حدث فى الحرب, فقد كان التدريب ليلا ونهارا, وتكرر محاكاة العبور واقتحام الحصون الاسرائيلية عشرات المرات, ولم يكن مقبولا أن يدخل الجندى الحرب من دون أن يحفظ مهمته عن ظهر قلب, لذلك حين جاء وقت العبورشعر كل جندى وكأنه ينفذ ماتدرب عليه مئات المرات, لامهمة جديدة أو مستحيلة.
إن عنصر الارادة كان حاضرا فى كل لحظة, وأن الأسلحة والعتاد مهمة, لكن سلاح الارادة أقوى, ولو لم يكن هناك إصرار على النصر لما تحقق شىء مهما بلغ التدريب والتخطيط. وقد يظن البعض أن الجيش لم يقاتل بين 1967و1973, والحقيقة أن حرب الاستنزاف كانت أخطر مراحل الاعداد, خضنا خلالها مواجهات عنيفة أرهقت العدو وكشفت خططه, وأعطتنا الثقة بأننا قادرون على هزيمته, فكانت حرب الاستنزاف بمثابة المدرسة التى خرج منها جيل أكتوبر, فهذه الحرب أكسبت الجندى المصرى مهارات ميدانية لاتدرس فى الكتب العسكرية, وإنما تصنفها المواجهات المباشرة مع العدو.
ويتذكر العميد ثروت زكى قائد فصيلة مشاة فى حرب أكتوبر معركة “تبة الشجرة” الشهيرة, وكان وقتها ملازما شابا حين صدر الأمر بالهجوم على الحصن الاسرائيلى المعروف بتبة الشجرة, فقد استمرت سبع ساعات متواصلة, واجهوا خلالها دبابات ومدفعية ونيرانا كثيفة, وفى لحظة حاسمة قفز مقاتلو المشاة المصريون فوق دبابات العدونفسها وتمكنوا من تدمير إحداها بالكامل, وأصيب الاسرائيليون بالذعر, واضطروا للانسحاب تاركين المركز بكل مافيه, فكان الاستيلاء على تبة الشجرة نقطة تحول كبيرة, لأنه حرم العدو من مركز قيادة مهم شرق القناة, وأثبت أن المصريين لايعرفون المستحيل.
إن نصر أكتوبر علمنا أن النجاح لاياتى بالصدفة, وإنما بالصبر والاعداد والتخطيط, وهذا درس يصلح للحياة كلها سواء فى المجال العسكرى أو المدنى, ويجب لأأن نضع ألأهدافا واضحة ونصبر ونجاهد حتى نصل إليها, وما فعله جيل أكتوبر كان ثمرة جهد وتضحية وإيمان بالله, وعلى الأجيال الجديدة أن تستلهم هذا الدرس دائما, فالنصر لم يكن مجرد حدث عسكرى, بل كان نقطة تحول فى تاريخ أمة أثبتت أن إرادتها قادرة على تحدى المستحيل وصناعة المجد.
عندما كنت أتابع حرب العدوان الاسرائيلى على قطاع غزة من خلال القنوات الاخبارية, وأشاهد ضابطا اسرائيليا داخل القطاع يتحرك بهدوء واطمئنان وسط رجاله وجنوده, ويصدر إليهم الأوامر والتعليمات وهو يحرك يديه بكل ثقة وغرور, وفجأة يسقط على الأرض مصابا برصاصة قناص فلسطينى محترف أتذكر على الفور أمجادنا الخالدة وبطولاتنا السابقة, ففى خلال حرب الا ستنزاف(1969-1970) كان لدينا قناصة منتشرون على طول شط القناة, وقد لقنوا جنود الاحتلال الاسرائيلى دروسا لاتنسى, ومنهم القناص أحمد محمد إسماعيل الذى كان أحد الخريجين المتفوقين فى كلية الفنون الجميلة, وتم تجنيده فى الجيش المصرى, حيث تلقى تدريبا راقيا, ثم انتقل إلى موقع فى الجبهة عند منطقة الدفرسوار فى نطاق الجيش الثانى الميدانى, وقد استغل مواهبه الفنية, بالاضافة إلى هدوء أعصابه وقدرته على التركيز , واستطاع بصبر وثبات عجيبين أن يقتنص عددا كبيرا من رجال العدو بلغ 15 جنديا إسرائيليا من بينهم قناص إسرائيلى, فأصيب العدو بالرعب, ولم يعد جنوده يجرؤون على رفع رءوسهم فوق مستوى خنادقهم, وتمت مكافأته وترقيته إلى “رقيب”, وبعد الحرب واصل دراساته العليا ليصبح فيما بعد الفنان التشكيلى الدكتور أحمد نوار رئيس قطاع الفنون التشكيلية الأسبق بوزارة الثقافة.
وسط هدير الدبابات ودوى المدافع, كان للاعلام دوره فى أن يكون السلاح الموازى للبندقية, وهو من حمل الرسالة, ووثق البطولات, وواجه حرب الشائعات التى شنها العدو, كان صوت الحقيقة الذى بث الثبات فى القلوب, وحمى الداخل من الانكسار, ليظل الاعلام بحق” الجندى المجهول” فى معركة العبور , وكان للإعلام دور محورى فى شحذ الهمم, ورفع الروح المعنوية, ونقلت الصحف والمجلات والاذاعة والتليفزيون أخبار العبور للعالم, وحولت الحرب إلى ملحمة وطنية يعيشها كل بيت, ودوت كلمات الرئيس البطل أنور السادات:”لقد حانت ساعة الحساب”فى أذهان المصريين كنداء للنصر.
فى صمت البحر العميق, كان لأبطال القوات البحرية صولات وجولات , من إغلاق مضيق باب المندب إلى السيطرة على الممرات الحيوية, وحتى الإغارات المباغتة على مواقع العدو, لقد حرموا إسرائيل من سلاح البحر, وأثبتوا أن اليد المصرية قادرة على أن تمتد من البر إلى البحر لتكتمل لوحة النصر, وفى البحرين الأبيض والأحمر فرضت القوات البحرية حصارا بحريا كاملا على الموانىء الاسرائيلية فى أول تطبيق عملى لحرب بحرية ناجحة فى المنطقة.
قال نجيب محفوظ عن حرب اكتوبر:”ردت الروح بعد معاناة طعم الموت ست سنوات, رأيت المصرى خلالها يسيرفى الأسواق, مرتديا قناع الذل,يثرثر ولايتكلم, يقطب بلا كبرياء, يضحك بلا سرور, يتعامل مع المكان وهو غريب, ويساير الزمان بلا مستقبل, من حوله عرب متقاربون قلوبهم شتى, وأصدقاء من العالم يعطفون عليه بإشفاق لايخلو من زراية, وعدونا يعربد, ثم ردت الروح, روح مصر تنطلق بلا توقع, وتحلق بلا مقدمات تتجسد فى الجنود بعد أن تجسدت فى قلب ابن من أبر أبنائها تقمص فى لحظة من الزمان عصارة أرواح الشهداء من زعمائها, واتخذ قراره, ووجه ضربته, ووقعت المعجزة, وانتقل الجيش من الغرب إلى الشرق, وبادر العرب إلى العروة الوثقى, وذهل الأصدقاء والأعداء, واسترد المواطن عهود مجده وكبريائه, وسارت مصر من عصر إلى عصر, ومن عهد إلى عهد, ومن موت إلى خلود. أيها الزعيم(إشارة إلى الرئيس أنور السادات) لقد وفرت السلاح, ولعلمك بأن الانسان لايحارب بالسلاح وحده, سلحت شعبك بالقانون والديمقراطية والحوار الحر, فإلى الأمام مهما تكن العواقب”.










