واحد من جوانب فيض العبقرية المصرية ان تبعث للعالم كل يوم برسائل وتعليمات وتوجيهات حب الحضارة والإصرار على صناعة الحضارة وغرس قيم التحضر..
ولا اظن ان افتتاح مصر اليوم لاكبر واعظم متحف للحضارة هو مجرد صدفة او خطة تنموية في فترة زمنية ما.. بل ان الامر يفوق ذلك بكثير انها رسالة قدرية في توقيت بالغ الحساسية .. في عالم على شفا جرف هار.. عالم كاد ان يفقد انسانيته بالفعل عالم يرتكب ابشع جريمة عرفتها الانسانية القتل العمد.. جريمة الإبادة الجماعية على صعيد..وعلى صعيد اخر يقود حروب العنصرية والتفرقة بين بني البشر على أساس اللون والشكل والمعتقد.. حروب خسيسة لاعلاء شان عنصر على عنصر وسيادة لون على لون..في ممارسة لاشد أنواع العبودية خسة وندالة .. الأشد غرابة انهم وهم يفعلون ذلك يتشدقون باصوات زاعقة انهم الأكثر حضارة في مواجهة ما يسمونه بالهمجية والبربرية وانهم الأكثر تحضرا وانهم يسعون لحماية اخلاقهم في مواجهة اخلاق وقيم الاخرين ..
حدث ذلك اكثر من مرة وفي اكثر من مناسبة..ارجعوا الى خطب الساسة وكلمات من يسمون انفسهم زعماء خلال الحرب اللعينة على غزة..كانت لغة الخطاب لدى قادة الغرب تكاد تكون واحدة وفقا للسردية الإسرائيلية الغارقة في الكذب والخداع والتضليل وحملها القادة الغربيون وجندوا لها كل وسائل والات إعلامهم الجهنمية وتمادوا وتماهوا مع خطط واهداف الصهيونية ورغم اكتشاف عمليات الزيف والخداع حملها الغرب كله انه كان ظلوما جهولا..
سقط قناع الزيف الخداع الغربي ومعه حضارته المزعومة واخلاقه العفنة المهترئة التي قادت الانسان الغربي الى الضياع رغم التفوق العلمي الذي لم يمنع او يعوق التردي الحضاري ..
المثير للسخرية ان مجرم الحرب المطلوب للعدالة الدولية بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني كان صاحب الصوت الأعلى وهو يتحدث بتنطع شديد وغريب عن جيش الإبادة ويصفه بانه الاكثر أخلاقية في العالم ..وان عصابات الاجرام الصهيونية يواجهون الأشرار واعداء الحضارة –يقصد رجال المقاومة الشرفاء..الغريب والمثير للدهشة أيضا انه كان يردد تلك الترهات في المحافل الدولية وعلى منصة الأمم المتحدة وهو مدان بجريمة حرب وابادة ومطلوب للعدالة وهي اول مرة على ما اعتقد ان نسمع ونرى مجرم حرب يتحدث على منصة هيئة دولية مهمتها السعي لفرض الامن والسلم الدوليين..انه حقا عالم الغرائب والعجائب !!
المرة الأخرى التي علا فيها صوت المتنطعين بالحضارة والقيم والأخلاق ما حدث ابان ازمة المهاجرين الى أوروبا اثر الحروب المزلزلة في سوريا والعراق ولبنان وفرار البشر من اهوال الحرب التي اشعل شرارتها الغرب وكانوا يديرونها باحترافية عالية سواء بشكل مباشر حينا او من وراء ستار أحيانا أخرى..في الاثناء سرعان ما هاجت جحافل الغرب من اليمين المتطرف وغيرهم ضد المهاجرين واوصدوا في وجوههم الأبواب وتركوهم عرضة لامواج البحر تلتهمهم الوحوش والحيتان بلا أي رحمة ورفعوا شعارات الخوف على القيم والأخلاق الأوروبية وانهم يخافون عليها من المسلمين القادمين خافوا على مجتمعاتهم من مقاومة الانحراف اللاخلاقي ومواجهة الشذوذ والانفلات والانجراف السريع مع حياة المثليين وأفكار الحرية الجنسية المطلقة والعلاقات البهيمية وهدم الكيانات الاسرية باي طريقة وسيادة أفكار الفردية والانحلال..
شواهد الحضارة المصرية الدليل الحي امام العالم لحضارة راسخة منذ الاف السنين ..حضارة البنائين العظام على مر التاريخ أقامها واسسها المصريون القدماء وظل المصري يحفظها ويرعاها على مر السنين وتعاقب الأيام والشهور وهو حين يقدمها اليوم في ابهى صورة في متحف جديد ينضم الى الرصيد الهائل للمتاحف المصرية المفتوحة والمغلقة والمتنقلة في ارجاء الكرة الأرضية فانه يرفع صوته عاليا لكل العالم بكل اجناسه والوانه بلا تفرقة او تمييز يدعوهم بصدق الى حب الحضارة وتعلم التحضر والرقي انها الرسالة التي لم تغب يوما عن عقل ووجدان المصري على مر العصور ..ان علموا العالم كيف يكون البناء ..علموهم أسس الرقي وأركان التقدم..علموهم كيف يكون الارتقاء بالحياة وما هي ضمانات الاستمرار والخلود ومعها كيف تكسب ثقة العالمين في كل مجالات الحياة..
شواهد الحضارة المصرية ليست مجرد احجار ابدعتها يد فنان باهر بارع انها حكايات وحكاوي التاريخ الناطق النابض بدقائق الحياة ابتداء من الحياة البسيطة للمصري القديم في كل موقع مع تفاعلات الحياة من ماكل ومشرب والملبس وفي نظم الحكم والإدارة وفي فنون العلم.. في الهندسة والرياضيات والكيمياء والفيزياء وعلوم الطب والفلك وأيضا في الفلسفة في الدين في الحياة الدنيا في البعث والخلود.. مسيرة الانسان حتى ما بعد الموت..
نحن الحضارة مؤسسوها ومعلموها بكل عوالمها الظاهرة والخفية لمن أراد ان يذكر او أراد شكورا.. حب الحضارة فن لا يقدر عليه الا اهل الحضارة الحقيقيون ولا يقبل بانصاف المتحضرين ولا بالمدعين زورا وبهتانا من المتشدقين بالفاظ مشتقة من حضر وتحضر وحضارة وهم عنها غائبون بل ومبعدون بكل تأكيد..
**من بديع ما كتبه الشاعر عمارة اليمني:
خليليَّ ما تحت السماء بنيَّة تُماثِلُ في إتقانها هَرَميْ مِصْرِ
بناءٌ يخاف الدهر منه وكلُّ ما على ظاهر الدنيا يخاف من الدهر
**من اقوال الحكيم المصري القديم سنوحي :”سكن الجمال ديار مصر وأبى ألا يبرحها إلا على جناح الحب”.. وهي توضح أن الجمال والحب ارتبطا بالحضارة المصرية ارتباطًا وثيقًا حتى أُطلق عليها اسم “أرض الحب”..
** كان المصري القديم يرى “الحب هبة السماء تسكبه الطبيعة في كأس الحياة لتلطف مذاقها المرير”..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










