بداية أتمنى بمحبة خالصة أن لا يثير قولي التالي غضب المعنيين ( للأسف!! تعاني غالبية مهرجاناتنا المسرحية العربية من خلل بنيوي يتمثل في سطوة رقيب مستحدث واسع النفوذ هو ” لجان المشاهدة “)
في المعلن يبرر أصحاب الشأن نظريا… وجود هذه اللجان بمنطق مقنع ويكاد يكون راسخا وهو ” أننا نضع رقيبا متعدد الأهواء، متقلب الذائقة.. مختلف الميول وهذا يقود بالضرورة إلى خيارات متنوعة مختلفة ” ما يعني تنوعا في الخيارات.
لكن الواقع المهرجاني العربي يقول عكس ذلك تماما… لأن النتائج التي نراها تعكس بوضوح تجانسا ذوقيا مؤسسيا يلتقط نمطا واحدا شبه حصري للعروض وهو ما يعرف بــ ( التجريبي ) الذي حول مساحات التنوع والتنافس الصحي في المنصات المهرجانية إلى زقاق ضيق لا يمر منه سوى ما يوافق أهواء هذا التجانس الذوقي للرقباء.
سطورنا البسيطة هذه هي ” دعوة صادقة ” لاعتماد إطار معياري يجعل قرارات رقيبنا ” لجان المشاهدة ” قابلة للمراجعة ومحمية من كل محاولة للتذرع والمحاباة وملتزمة بأصول الشفافية الفنية أمام الجميع سواء كانوا صناع عروض أو جمهور.
اعزائي ممن يهمهم الأمر … لنتذكر ( أن أي عرض ينبغي أن يحاكم وفق منهجه المسرحي! لا وفق ذائقة المشاهد ) هذه كما لا يخفى عليكم… قاعدة أولى يفترض أن تحكم عمل أي لجنة مشاهدة في العالم.
بمعنى … أن العرض المسرحي الواقعي لا يخضع لاشتراطات مسرح العبث والعرض الكلاسيكي لا يمكن محاكمته بمعايير عروض الكابريه السياسي والعمل التعبيري من الظلم إدانته بعدم الالتزام بالخط السردي الأرسطي! كما لا يمكن قياس الأخير بمعايير التغريب البريختي.
اعتقد أن ما يحدث عمليا في كثير من اللجان هو عكس هذه المعايير المتفق عليها عالميا!! إذ يميل غالبية أعضاء اللجان إلى جنس مسرحي بعينه فينحازون إليه في مرحلة التصفية مستبعدين ما سواه بحجج تقنية وحرفية لتجميل الانحياز وبالتالي سنكون أمام قائمة عروض تفرضها ذائقة جمعية مصطنعة… لا وفق معيار مهني متوازن.
ألا يمكن للمعنيين … قبل أي تحكيم اعتماد قاعدة عمل ملزمة تتمثل بتثبيت بطاقة منهج لكل عرض تحدد حزمة معايير ملائمة لذلك المنهج على مستوى ” البناء الدرامي والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والإيقاع والموسيقى والمؤثرات الصوتية ” وهذه المعايير المخصصة حتما ستجنبنا أي مقارنة محتملة بعروض مناهج مغايرة؟
هناك تعميم آخر للأسف تراعاه لجان المشاهدة ( تقديس المسرح التجريبي بوصفه شكلا واحدا ) بل وتشجعه وتنحاز إليه كمظلة لعروضنا المسرحية حتى غدت نمطا مكررا وباتت أكثر تقليدية من عروض المسرح العالمي الكلاسيكية التي توجه لها سهام التقليدية ظلما! ” لأنها تقدم اليوم بأشكال ورؤى متجددة معاصرة ” ما يؤكد حقيقة بسيطة تغيب عن مطلقي هذه السهام مفادها ( أن التجريب نفسه يستوعب كل المناهج ولا يستثني منها أحدا ) إذ يمكن للعرض الواقعي او الكلاسيكي او الغنائي أن يقدم برؤى تجريبية خلاقة من دون قطيعة مع الجمهور ولا استعلاء عليه. ولكم في تجارب المسارح بأميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وباقي الدول في العالم مثالا واضحا.
هل يمكن أن يحذف من خانة لجان التحكيم خيارا ( تجريبي – وغير تجريبي ) ونضع مكانهما ( قوة الابتكار داخل منهج العرض ) ويتم جدولتها وفقا لقياس واضح يشترط الابتكار البصري والادائي والدراماتورجي والصوتي والموسيقي وعلاقة العرض بالفضاء وبالجمهور ) ؟
ألا ترون أنكم بهذا المعيار يمكن أن تحموا التجريب من تحوله إلى قيد شكلي فوضوي مبعثر ثم تعيدوا إليه وظيفته الحقيقية وهي تجاوز الحدود داخل المدرسة او المنهج لا ليكون ضد المنهج المسرحي نفسه؟
أتمنى مخلصا أن تتقمص اللجان دور الجمهور المتنوع ولا تخضع لأحكام نقدية نخبوية مغلقة تستصغر رضا الجمهور وتتعالى على ذائقته!
يمكن ببساطة خلق التوازن بين العروض التي تشبع أذواقا مختلفة بلا محاباة او بخس لحق أحد ! كيف ؟ من خلال اعتماد ميثاق برامجي يضمن تمثيل تنوع المناهج المسرحية من غير فرض حصص أو إقصاء منهج ما عن البرنامج النهائي … وعلى اللجنة أن تثبت في تقريرها الختامي كيف نجح بالدرجات كل عرض ينتمي إليها بعناوين محددة … ولماذا؟
هذه ضوابط مهمة وهناك أخرى أترك للآخرين إضافتها لكي تنتقل مهرجاناتنا من الانتقاء المزاجي إلى الاختيار المهني الذي يعيد الجمهور العام إلى خشبات مسارحنا ويحفز الفرق على تحسين أعمالها ليرتفع منسوب التنافس الحقيقي الذي يخلق مسرحا أقل تبعية للمنح الموسمية وأكثر التصاقا واعتمادا على تذكرة المتفرج.
في الختام أؤكد بأننا لسنا في حلبة صراع للأذواق … بل في مسارح تبحث عن عدالة فنية وجمالية … هذه المطالبات لا تعني مطلقا أقصاء التجريب ولا تمجيد عروض المناهج المسرحية الأخرى على حسابه!
إنها ببساطة دعوة لإخضاع الجميع لميزان واحد… هو الحكم على أي عمل مسرحي بمناهجه ومعاييره المعلنة! لنجعل مهرجاناتنا ملاذا آمنا للتنوع المسرحي لا منفذا لذوق جمعي واحد.










