ظهور أسماء وأصوات جديدة لا يمكن أن يعد مشكلة! ولا ضير أبدا أن تراجع الأجيال الجديدة موروثاتها وتشاكس مسلماتها! هذا حق حتمي تؤكده سيرورة الحياة والتاريخ والمعرفة!
لكن المعضلة المثيرة للسخرية حين يتحول الرأي العابر لهذا الشاب أو ذاك المثقف البسيط إلى مطرقة يوجهها دون دراية وبقسوة لضرب أيقونات معرفية شكلت أفقنا النقدي والمعرفي والفني والجمالي.
هذه القسوة الصوتية اللامعرفية للأسف يتبناها هؤلاء من دون قراءة متأنية ولا أدوات منهجية. ما يكشف فارقا واسعا بين التجديد المطلوب والنقض الجاد وبين التشهير السطحي المتسرع. هذا الفارق أيضا يفضح هشاشة من لا يفرق بين الحجج القابلة للدفاع عن نفسها وبين إطلاق أحكام مجانية تشبع رغبة مطلقيها في الحضور اللحظي ” الترندوي ” على منصات تكتفي بسطحية شعبوية تشبه عود ثقاب ! فيما نحن بأمس الحاجة إلى ضوء ينير الدرب المعرفي ويحتفي بعمق خصوصيتنا الثقافية.
عزيزي الشاب أو المتمثقف! عندما تتمسك بشعار ” إن نقد الأسماء المرجعية هو أمر جائز ومطلوب “! عليك أن تتذكر ولا تنسى أو تتجاهل إن هذا مشروط بمحددات ثلاث وهي … أن تفهم جيدا سياقها التاريخي والبحثي وأن تدرك مناهجها من داخل النصوص لا من عناوينها ثم أخيرا أن تكون قادرا على تقديم بديل تحليلي يبرهن جدواه بالأمثلة.
من غير هذه المحددات ” يا عمي “… لا يساهم رفضك هذا بتقدم المعرفة ولا يتعدى حدود أي موقف شخصي تسقيطي تقوده ذائقة بسيطة ورغبة خاصة جامحة في الظهور والانتشار الميديوي.
ذائقتنا الشخصية مهما طورناها ودربناها لا تصلح أن تكون معيارا مهنيا للحكم على المنجز القديم والجديد وأصحابهما! ما يصلح لذلك سعة استيعابنا الجمالي الذي يتحاشى بمنهجية وعلمية إلغاء الأشخاص! وينشغل بتفكيك المنجز نفسه.
النقد بمعناه الحقيقي لا يسأل: من قال ثم يلغيه كقائل؟ بل يركز على ماذا قال؟ ولماذا؟ وكيف أنتج قوله؟وما هو أثره؟ وما أدلّته الداخلية؟
لذلك على الكاتب أو الناقد أو “الطارح نفسه بديلا ” أن يبدأ ببيان الموضوع الذي يتناوله المرجع أو صاحب المنجز وتوضيح أي سؤال أجاب عنه في زمنه؟ أي فجوة سدها أو حاول؟ ثم يقرأ بتمعن أدواته المعرفية المختلفة مثل… مفاهيمه … تقسيماته… عيناته … منهجه الاستدلالي … البنية المجتمعية التي عاصرها.. عمقه في فهم التاريخ وحركته! وبعد هذا الحفر كله فقط… يمكن إظهار مواطن القوة والضعف .. التميز والإخفاق …وعبر أمثلة نصية أو سمعية أو بصرية محددة تدعم ما يذهب إليه هؤلاء من مشاكسة. كما لا ينبغي الاكتفاء بهذا … بل من المهم العمل على اقتراح منهج بديل أو مغاير مع الأخذ بعين الاعتبار أن يعمل هذا المنهج على العينة نفسها واستخدام أدوات الحفر ذاتها لا أن يردد ببغاوية فجة شعارات عامة إلغائية أو يتباهى بالتلفظ أمام ميكروفونات الفضائيويات بأحكام قاطعة من خارج النصوص والمواد… متوهما أن الصراخ بلغة واثقة ونبرة مرتفعة نشاز … هو النقد بعينه وأنه حرية تعبير معرفية.
التجديد الحقيقي لا يتعكز في شرعيته على نقض ( على الوردي مثلا ) أو نفي ( المقام العراقي ورواده ) أو نسف ( آباء المسرح وتجاربهم ) بالجعجعة! يمكن لنا أن نراجع الوردي ونختلف معه! ولكن من خلال قراءات تحاور نصوصه لا شخصه وصورته. وارد جدا أن ننتقد قراء المقام … مساحاتهم الصوتية … قدراتهم الأدائية! أما أن نتعسف ونلغي هذا الفن الغنائي ونسحب الجنسية العراقية منه! فقط لأنه لا يروق لنا سماعه فهذا احتكام إلى رأي عابر لذائقة شخصية… وليس لمنهج نقدي استيعابي.
يحق لنا أن نكسر قواعد المسرح وننافس رواده من أساتذتنا الكبار ، ولكن ليس قبل أن نلم بها وبهم جيدا … ثم نبرز قدراتنا على إعادة بنائها أو استبدالها لكي يصبح كسرنا لها خيارا جماليا حتميا … لا عجزا مفهوميا أو تقنيا.
علينا أن نعي جيدا أن المعمار المعرفي والثقافي والفني يتسع وينمو! من خلال إضافة طبقات جديدة لبنائه… لا بإزالته كله والبدء من الصفر.
سنصفق لهذه الأصوات ونرحب بها حين تأتي بعمل محكَم وأدوات ممنهجة ، وحين تضع حجتها على طاولة الجدل المعرفي مع أمثلتها ، أما أن تكتفي بالسفسطة الناسفة لكل منجز!! فهذه مقايضة رخيصة لصوت الحكمة العميق بضجيج فارغ ضاع حتى صداه في دهاليز “نظام التفاهة” بوصف ” دونو “.
ياعم اتهدوا










