(قصة قصيرة)
حين وصل الى المحطة ،كان المسافرون الذين أقبلوا باكرا ليستقلوا أول قطار قد أخذوا أماكنهم على الرصيف وأخذهم العالم الافتراضي على هواتفهم.،تطفو على وجوهم بين الحين والآخر ابتسامات ..
قصد غرفة الملابس،ارتدى حلة العمل،بدا له النفق المظلم كأول طريق يسلكه القطار وهو يغادرالمحطة،لم يكن يستطيع أن يتغلب على شعوره بالرعب كلما تأمل منعرجاته الغريبة،على جدرانه ظلال يخيل إليه أنها تشير إليه أن يقترب.
قصد مكان عمله متحاشيا النظر إليها،لاحت له امرأة شقراء تجر حقيبة،ذكره لون شعرها بالفتاة الحسناء التي تزوجها منذ عقد من الزمن،طالما اعتبرها هدية من السماء.
حياة مرت عليهما كالحلم ،زينها وصول ثلاثة أطفال،أقبلوا تباعا،استقبلوا بحب، واستمرؤوا رعاية أبوين شغوفين، لكن سقطة زوجته من أعلى الدرج غيرت حياة الأسرة رأسا على عقب.
هي تعيش معه الآن بجسدها لكن وعيها غائب،على محياها يرتسم قناع لا يعرفه،وفي عينيها جحوظ غريب.
قد تستعيد ذاكرتها للحظات ،فتبتسم للاولاد،تقبلهم وقد تنهض من مكانها لتقصد المطبخ بفعل العادة لكنها لا تلبث أن تعود لغيابها وهي تنظرالى لاشيء وقد احتل القناع القاسي محياها من جديد.
تحتله رغبة عارمة في النوم ، يحاول مقاومة ذلك الشعور،يغمض عينيه؛ يفتحهما، يبالغ في صب الماء على وجهه وراسه.
اعد للصغار طعاما ليوم كامل،غسل ثيابهم ،نظف المكان وساعد ابنته الكبرى على الاعتناء بأمها ثم غادر.
تذكرها ،تخيل ساعديها الصغيرين يشتغلان بهمة تتجاوز سنها التاسع بكثير،انتابه قلق،هاتفها:
_ هل أغلقت باب البيت أم نسيته مفتوحا؟
يا إلهى! قد تفعلها زوجته مرة أخرى وتخرج هائمة على وجهها ويضطر إلى البحث عنها ثانية في كل مستشفيات المدينة.
“ماذا افعل؟هل أستأذن رئيسي في العمل وأعود الى البيت لأتأكد من اغلاق الباب؟ لكنني تجاوزت الحدود المسموحة في التأخر والغياب..”
دمعت عيناه ، الفرح يغيب والحياة أضاعت طعمها،وفي المساء، يستقبله البيت بصمت، وتستقبله أطباق طعام باردة فقدت نكهتها منذ ساعات،وخلف الباب الموارب، يتراءى له طيفة ابنته الكبرى تتقمص دورا يكبرها بأعوام ،وفي اعين الصغار أسئلة حيرى تنتظر الجواب..
تطلع الى مكتب الرئيس من خلال الواجهة الزجاجية، رآه يجلس في مكتبه ؛ رجل أنيق يتامل شاشة وينقر لوحة مفاتيح نافيا العالم من حسابه..
أحس بالياس،استعد للعودة الى مكانه وهو يدعو الله في سره أن يلطف به وأسرته.
فجأة، لمحت عيناه شيئا ،تسمر في مكانه، لا يصدق ما يرى!!
بدت له زوجته بلباس النوم تهبط الدرج المفضي إلى الأرصفة ثم تخطو حافية القدمين نحو النفق.
اختلط صوت صفارة الإنذار بصوت فتاة تعلن عن انطلاقة القطار ،أسماء مدن مجهولة تتمازج فى مسامعه..
تستمر زوجته في التقدم ؛يناديها ،يصرخ بقوة، يضيع صوته المبحوح في الفضاء. تتحرك القاطرة،يلوح الركاب بايديهم.
تقترب زوجته ،يعلو الصراخ .
يجري ، يجري ،يختنق صوته في حلقه.
يقعى جاثيا على ركبتيه.
من مجموعتي القصصية الأولى
(زوابع الصمت )
المغرب










