مَن المسئول عن حالة الخوف والانهزامية واللامبالاة التي بات الناسُ عليها اليوم؟! مَن المسئول عن غياب المروءة والشهامة والجدعنة ونُصرة المظلوم ونجدة الملهوف، والتي كانت يومًا أعزّ ما نملكه؟! زمان، كنا نرى الجثة تطفو في ترعنا عارية لا يسترها شيء، وكنا نخاف حتى من انتشالها لمجرد سترها خوفًا أن يُسأل مَن انتشلها: لماذا أنت بالذات؟! ويدخل عندئذ في حلقةٍ مفرغة من الأسئلة لا تنتهي؛ يندم معها على فعله الإيجابي. منذ بضعةِ أعوامٍ، وفي قارعةِ الطريق، وفي وضح النهار، فتاةٌ ضعيفةٌ تقاوم طعناتٍ، دون هوادةٍ من مرتكبها أو رحمةٍ، ودون أدنى خوفٍ لديه أن يمنعَه أحدُ المارّة، بل لا يأبه لهم أصلًا. ورغم كثرتهم إلا أنهم يتابعونه، ويخافونه، ولا يجرؤون حتى على مقاومته، ولو رميًا بأحذيتهم؛ فلم يحركوا ساكنًا وقتها سوى كاميرات جوالاتهم.
وكل يوم حالة مشابهة على مرأى ومسمع من الناس، والذين أضحى حالهم ببن خائفٍ لا يقوى على فعلٍ إيجابي، وآخر لم يكن ليفوّت الفرصة شاهرًا جواله قنصًا لتلك اللحظة، والتي ربما لن تُسنح له مجددًا اللايكات والمشاهدات، وربما ومن باب جهد المُقلّ لإثبات حق المجني عليه. وبعيدًا عن تلك التعليقات العنترية، والتي تدّعي النجدة والنصرة والويل والوعيد دون تباطؤ لو كانت حاضرة تلك الوقائع، وهي قطعًا لن يختلف حالها عن الحاضرين أنفسهم؛ فكلنا بتنا في ذلك الإحجام سواء؛ لخوفٍ ما بات يتملكنا؛ ربما خوفًا على ما وراءنا جميعًا، ابنًا ورغيفًا، وربما خوف انتقام الجاني وغدره، وكل شيء بتنا نخاف عليه، وما أكثره.
فمَن المسئول إذن عما وصلت إليه شخصياتنا الانهزامية تلك؟! أقصورٌ في منظومتنا التعليمية؟! أم خطابٌ ديني لديه انفصامٌ بين القول والفعل؟! أم ربُّ أسرةٍ تجرّع هذا الخوف حتى تملّكه في كل ما يُقدِم عليه خوفًا على ما وراءه حتى أرضعه لا إراديًّا أولاده ليسلموا كما سَلِم؟! أم سوءُ خُلقٍ بات عليه البعضُ لا نأمن معه على أنفسنا لفظًا قبيحًا، وفعلًا قاتلًا؟! أم ضعفُ إيمانٍ أصابنا؟! أم ماذا؟! سؤالٌ يحتاج إلى إجابةٍ أمينةٍ علّنا ندرك شيئًا مما كان يُحصّننا ويحمينا جميعًا مروءةً وشهامةً وشجاعةً ورجولةً وتكافلًا، شيئًا لم نكن يومًا لننتبه في ظله إلى أبوابنا أبالترباس أُوصدت أم لا.
غير أن الكارثة الحقيقية لم تعُد في قبيحي الخُلق، فعلًا وقولًا، وإنما في ذوي الأدب والخلق الحميد عندما يدفعون أبناءهم، على كُرهٍ منهم، لإتيانهم ما يخالف قِيمهم، وما تربوا عليه من الجعير وحتى السَّباب أحيانًا لمَن تطاول عليهم حمايةً لأنفسهم، وأخذًا بحقهم، بل ردّ الضربة بمثلها، وهذا تحول كارثي. ولن ينصلح حالنا إلا بما صلح به حالُ آبائنا وأجدانا قيمًا وعاداتٍ لم تخضع لها دواخلُ البيوت والعائلات فحسب وإنما الشوارع كذلك؛ فكلاهما في الأدب والاحترام وحسن الخلق سواء، أمر عشناه واقعًا حتى عهد قريب. وحتى نضمن ذلك فإننا نشدّ على يد الدولة -وجهودها في ذلك جليّة ومحمودة- أن تكون هي قاطرة الإصلاح الاجتماعي، وضبط الانهيار الأخلاقي في الشارع بردعها من فورها كل مَن سوّلت نفسه خروجًا على الذوق العام؛ حتى يعود الناسُ إلى تربية أبنائهم بفطرةٍ سليمةٍ دون خشيةٍ من شارعٍ يُهدر جهدهم.










