خلال زيارته لأكاديمية الشرطة، وحديثه إلى الطلاب المتقدمين إليها، تعرّض السيد الرئيس -فيما تعرّض له- للدراما المصرية، وانتقاده لبعض أعمالها، وآثارها السلبية على المجتمع، لا سيّما على الأسرة المصرية. ولأن حديث السيد الرئيس عن ذلك ليس هو المرة الأولى، وإنما سبق وأن أشار إليه في مارس الماضي(2025م)؛ وقتها انتبه الجميع فجأةً مع تنبيه السيد الرئيس، وإذا بقراراتٍ عملية فورية إثر ذلك من الحكومة، فضلًا عن إعلان المسلماني عن باكورة إنتاج مشترك بين التلفزيون ومدينة الإنتاج، لأول مرة وبعد توقف دام لعشر سنواتٍ بمدينة الإنتاج بمسلسل طلعت حرب للكاتب والسيناريست محمد السيد عيد. وكذلك إعلانه وقتها -واستجابةً لرؤية الرئيس أيضًا- عن عقد مؤتمر بعنوان (مستقبل الدراما في مصر) بمقر الهيئة الوطنية للإعلام في ماسبيرو أبريل (2025م)، وقد تمّ.
وبعيدًا عمّا ذهب إليه الجميع حينها حول تلك القرارات، والتي بلا شكّ أثلجت صدورنا، وجعلتنا في شوقٍ وترقّب وتفاؤل لعودةِ ماسبيرو لمجده وشمسه المشرقة. لعودة صناعةٍ كنّا فيها ولأمدٍ بعيدٍ في الصدارة، ولا ينازعنا فيها أحد. تلك الصناعة والتي شكلت رافدًا مهمًّا من روافد ثقافتنا وهُويتنا التي نعتزّ بها دومًا ونزهو. تلك الصناعة والتي يوم أن تخلينا عن مسئوليتنا تجاهها اكتوينا جميعًا بنارها، دون أن يسلم منها أحدٌ. تلك الصناعة والتي لطالما بُحّت فيها الأصوات، ودُقّت فيها نواقيس الخطر من مخلصي هذا البلد. وفي الأخير، لا يصحّ إلا الصحيح، ولن يمكث في الأرص إلا كل ما هو جادٌّ وراقٍ ومحترمٌ ورصينٌ، وينفعُ الناس.
واقعنا الإعلامي!
واقِعُنا الإعلامي تفاهةٌ وإسفافٌ، عنفٌ وسُيُوفٌ، غدرٌ وخيانةٌ وفُحشٌ قولاً وفعلاً، سَلْبٌ ونهْبٌ، تهديدٌ ووعيدٌ. إذا كان الفنُ انعكاسًا وتجسيدًا للواقع الاجتماعي كما يدّعون، وهو كذلك، فلماذا نحرص جاهدين على إظهار أسوأ وأقبح ما فينا؟! ودون رؤيةٍ أو حتى علاج أو توجيه، لاسيما وأن هناك ما يستحق منا أن نسلط الضوء عليه لإظهاره ونلحّ في ذلك؛ بُغية إرساء قيمة خلقية حسنة، أو حتى إظهار ما خفت منها، أو محاربة ومجاهدة ما شذّ عنها. وكذلك إيجاد وطرح حلول علمية وعملية لمشاكلنا الحياتية واليومية، كما كان إعلامنا قبلُ. ” كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته “؟!
إعلام التربية!
هناك أفلام ومسلسلات في حياتنا هي في حقيقة الأمر دوراتٌ راقية في التنمية البشرية، ومحاولاتٌ جادّة في استنهاض الهِمم وشَحْذِها، والصبر وقوة التحمّل والجَلَد على بلوغ الهدف والوصول للقمة، مهما كانت الصعوبات والمعوقات والأشواك المتناثرة هنا وهناك، ومهما كانت الإغراءات الحائلة دون ذلك.
مسلسلات وأفلام هدفها في الواقع رصد مشكلات النفس البشرية وأمراضها، من حقدٍ وحسدٍ وطمعٍ وكسلٍ وخنوعٍ وخضوعٍ وغيرها. كيف كانت قبلها، وما آلت إليه في ظلها، وكيف الخلاص والنجاة منها، وحالها من دونها؛ إذن المشكلة وعلاجها. (الوسيّة، الأيام، هي والمستحيل، الشهد والدموع، الطاحونة، ضمير أبلة حكمت، الوتد، وغيرها) ومسلسلات الخلوق الرائع محمد صبحي، وغيرها كثيرٌ كان عليه إعلامنا في الماضي القريب، هادفٌ وراقٍ. أما في واقعنا الحاضر فإن إعلامنا -أفلامًا ومسلسلاتٍ- فهو باختصار هدمٌ ووأْدٌ لكل أملٍ وطموحٍ يمكن أن يبزغ في النفس البشرية، وغرس لكل سيّئ، إلا مَن رحم ربّي.
بثّ!
منذ سنواتٍ، وبالصّدفة، وأنا أقلب في قنوات التلفاز مررتُ بقناةٍ تعرض المسلسل التاريخي عمر بن عبد العزيز، وكأمرٍ طبعي ربما ألفناه هو التحوّل عن تلك المسلسلات، ونتابع تقليب القنوات، إلا أنني لثانيةٍ واحدةٍ استوقفتني روعةُ الحوار والبلاغة المتناهيةِ في الأسلوب، وزمنٍ جميلٍ حَنَنْتُ إليه. زمنٍ قريبٍ وقت عرض المسلسل أيام كنّا صغارًا، وبعيدٍ أيام كانت عزّتنا مثارَ إعجابٍ ورهبةٍ من الدنيا بأسرها، ربما لذلك كله وجدتُني لا شعوريًّا أستمر في متابعته دون أن أتحوّل عنه.
إلا أنني وأثناء متابعتي إياه أجدني لا شعوريًّا كذلك بين لحظةٍ وأخرى أتذكر مسلسلات في أيامنا هذه، وبغض النظر عن اسمها، فكلها يغلفها كلُّ ما هو قبيحٌ وبذيء. إلا أنني قلتُ في نفسي: مستحيل أن الإعلام الذي أنتج مثل هذا المسلسل التاريخي الرائع في كل شيء، وكثيرٌ أمثالُه، مستحيل أن ينتج مثل هذا القُبح الذي نراه في أيامنا هذه. مستحيل، مؤكد فيه حاجة غلط. إما أن يكون ما شاهدناه لعهدٍ قريبٍ مجرد حُلمٍ جميلٍ حلمناه، وليس له وجود في الواقع، وهذا يناقض الواقع. وإما أن يكون ما نشاهده الآن مجرد كابوسٍ مخيفٍ نعيشه، وهو الواقع. ليتهم يعيدون بثّ ما حلُمنا به. ويكفّون عنّا كابوسَهم.
ويزيد!
في احتفالية عيد الفطر (2021م)، وبعد أن أثنى السيد الرئيس على أبطال الاختيار، وكيف كان لعملهم دوره التوعوي في كشف الحقائق ومخططات قوى الشر تجاه مصر وأهلها. ذكر أن عملهم هذا في نفاذه إلى العقول والقلوب وبلوغ أهدافه (بألف كتاب وألف ساعة حوار)، وهو كذلك ويزيد.
وبعيدًا عن المسلسل بكل ملابساته إلا أن اللافت فيه حقّا خلوه من أية لفظةٍ نابيةٍ أو خارجةٍ عن الذوق العام والفطرة المؤدبة المهذبة. فضلًا عن خلوه كذلك من أية مشاهد قد تكون خارجة هي الأخرى؛ أي أنه يمكن لكامل الأسرة أن تشاهده معًا بعد أن هيأت له أسباب تركيزها ومتعتها من مشروبات ساختة ومكسرات وياميش رمضان، دون أدنى مفاجأة محتملة. ولِمَ لا؟! فقد أُريد لها ولكامل المجتمع أن يشاهدوه بآذانٍ مصغيةٍ وقلوبٍ واعيةٍ؛ فكان لزامًا ألا يكون هناك ما يقطع إصغاءها ووعيها وانتباهتها وتركيزها من لفظةٍ سمجةٍ أو حتى مشهد.
ومعلوم أن المسلسل قد تكلف مبالغ هائلة، ومعلوم أنه قد خرج من عباءة الدولة بصفة رسمية، ورغم ذلك فإنه قد حقق نسب مشاهداتٍ هي الأعلى؛ وعليه كانت الأرباح هي الأخرى هائلة -رغم حكوميته- ورغم خلوه من كل قبحٍ يحقق ربحًا لفظًا وصورًا ومشاهد. والأغرب من ذلك بلوغه أهدافه فكان بحقٍّ بألف كتاب وألف ساعة حوارٍ، ويزيد. وعليه، فإذا كانت مسلسلات القيح وأفلام الصديد مما تخرج علينا ليل نهار، وتطاردنا وأطفالنا بقِيحها ونتنِها وفحيحها بدعوى أنها ربما كانت لشركات إنتاج خاصة هدفها الربح فإن أرباح الاختيار ذي الخلق الرفيع والأدب الجمّ والتحفظ الشديد تدحضها. ثم أيّ ربحٍ يُرجى أمام إفساد مجتمعٍ بأسره؟!
غير أن اللافت في الأمر كله مرورُ هذا الغثّ على الجهات الرقابية وسماحها له؛ ليكون السؤال: كيف لنا ننتج عملًا دراميًّا جادًّا كالاختيار، تلتفّ حوله كامل الأسرة المصرية دون هفوةٍ تذكر، وفي الوقت نفسه نسمح لمثل هذا الإسفاف الحاصل أن يمرّ؟! رحم الله زمانًا كان فيه قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتلفزيون وصوت القاهرة للصوتيات والمرئيات بألف ألف كتابٍ وألف ألف ساعة حوارٍ، ويزيد.
أسامة!
عندما يكون المؤلف -لاسيما مؤلف الدراما- مثقّفًا واعيًا وراقيًا، لديه رؤية وطنية أخلاقية إصلاحية تنموية فلا شك أنه عندئذٍ يرتقي بذوق وفكر متلقيه. عندما يكون لدى المؤلف القدرة على سَبْر أغوار النفس البشرية واستيعابها بشكلٍ مذهل فإن حواره عندئذٍ سيكون بلا شك شديد الاتساق مع طبيعة تلك الشخصية، وما يعتمل بداخلها، وفي الوقت نفسه فيه دليلٌ بيِّنٌ على احترام المتلقي، والارتقاء بعقله ووعيه في هدوءٍ ومنطقية.
عندما يكون المؤلف ممتعًا في حواره راقيًا فإنه بلا شك قد بلغ درجةً رفيعة من النضج الفكري والأدبي والإنساني تجعلك للحظةٍ تقف مذهولًا أمام إحدى هذه الحوارات المدهشة فجأةً متسائلًا بعد كلمة (الله)، والتي نطقت بها دون أن تشعر: مَن العبقري الذي غاص حتى أبعد نقطةٍ فصاغ لنا هذا الفكر الراقي بهذا الحوار الممتع بهذا التحليل المنطقي والمتسق مع أبعاد تلك الشخصية التي يطرحها علينا دون اضطرابٍ يُذكر أو ملل؟!
عندما يكون مثل هذا المؤلف صاحب الفكرة الهادئة الهادفة هو هو كاتب السيناريو والحوار يكون الإبداع قد بلغ مداه روعةً وإمتاعًا وإقناعًا. عندما يكون المؤلف كل هذا ويزيد يكون (أسامة أنور عكاشة) -رحمه الله- عبقريًّا نادرًا قلّ نظيره، فكرًا وطرحًا وعمقًا، قصةً وسيناريو وحوارًا.










