تتمثل الإشكالية الجوهرية في تطبيق قوانين تداول المعلومات في غياب التوازن الدقيق بين “حق المواطن في المعرفة” و”متطلبات السرية” لحماية الأمن القومي والمصلحة العامة. وينتج هذا التضارب من عدة عوامل هيكلية وقانونية تقف حائلاً أمام إتاحة المعلومات بشكل سلس
والجدير بالذكر أن إشكالية علاقة الحق في تداول المعلومات مع الأمن القومي ليست إشكالية مصرية، بل عالمية حيث اجتمع عدد كبير من الدول للتشاور حول الأمر
إن سلطات الدولة بمؤسساتها وهيئاتها المختلفة تحتفظ بالإنتاج المعرفي والمعلوماتي نيابة عن المجتمع ككل ، وفي المقابل فإن من حق المجتمع أن يضمن “آلية فعّالة” تمكنه من الإطلاع والحصول ونشر وتداول ذلك المحتوى المعلوماتى ، ويُعتبر النظام الإحصائي القومي هو تلك الآلية وقناة التواصل الحية التي تتدفق من خلالها المعلومات بين الدولة بمؤسساتها وبين المجتمع ،
فمن خلاله تُدعم سياسات وقرارات الدولة بالمعطيات الموضوعية عن أوضاع المجتمع في كافة مجالاته لتكون تلك السياسات والبرامج متخذة على أساس علمي مُبرهن، ومن خلاله أيضا يُعبر المجتمع عن تغذيته العكسية من نتائج وآثار سياسات وبرامج الدولة فيساعدها على متابعة وتقييم الأثر والتقويم والتعديل إن لزم الأمر ،
وعلى التوازي أيضا فهو يساعد المجتمع في الحكم على أداء حكومته وتقييمه بشكل موضوعي مُبرهن بالأدلة والقرائن بالشكل الذي يسمح بمسائلتها ومحاسبتها وأيضا طرح النقد والبدائل التي يراها المجتمع ممثلا في مؤسساته وتنظيماته المدنية .
وتم الوصول إلى “وثيقة المبادئ العالمية للأمن القومي والحق في المعلومات «مبادئ تشواني»”.وتوسعت هذه الوثيقة في شرح وتفسير معايير استخدام الأمن القومي كسبب من الأسباب التي تدعو لحجب بعض المعلومات، أو لإنزال العقوبة بمن يفصح عن هذه المعلومات
. تلك المعايير التي جاء على رأسها ضرورة تعريف الأمن القومي بدقة في الإطار القانوني الوطني على نحو ما يتفق مع مجتمع ديموقراطي، بالإضافة إلى وضع عدد من المتطلبات اللازمة لتقييد الحق في الحصول على المعلومات على خلفية الأمن القومي وذلك في أضيق نطاق حيث أاترط على الحكومة أثبات أن هذه القيود: مشروعة بموجب القانون وضرورية وأنها تحمي المصالح الشرعية للأمن القومي . كما نصت بوضوح على عدم وجوب استثناء مؤسسات كاملة بعينها من متطلبات الإفصاح عن المعلومات.
كل تلك المعايير والمتطلبات لم يراعِها مشروع قانون “حرية تداول المعلومات” الذي نحن بصدد مناقشته، على العكس تماماً بل وضع تعريفاً مبهماً للأمن القومي يعطي للجهات المخاطبة بأحكام هذا القانون مساحة واسعة للتهرب من تطبيقه والالتفاف على أحكامه. مما لا شك فيه أن إنتاج قاعدة منضبطة ودقيقة ومحدثة وشاملة من البيانات في المجتمعات النامية هو أمر هام ولازم لترسيم صورة عامة عن الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديموجرافي، ولتوصيف حجم وعمق وأبعاد قضاياه الكبرى كالفقر والبطالة والأمية والمرض..الخ ،
حيث تدعم – تلك القاعدة – القرارات والبرامج والسياسات اللازمة على الحكومة المسئولة عن إدارة أمور ذلك المجتمع اتخاذها من أجل مواجهة أزماته ووضعه على طريق التنمية والتقدم بأساس موضوعي علمي ويمكنها أيضا من تقييم ومتابعة برامجها وسياساتها ومدى إنجازها وتقويمها وتصحيح مسارها إن لزم الأمر لذلك .
إلى جانب –أيضا – أن البلدان النامية بشكل خاص في حاجة مضاعفة لقاعدة بيانات إحصائية داعمة لقرارات وسياسات حكوماتها لضمان استخدام الموارد المحدودة المتوافرة والمرصودة للتنمية بأكبر فاعلية ممكنة، و تتلخص الأزمة في أن تلك المجتمعات رغم حاجتها القوية لإنتاج البيانات هي غالبا التي لا تمتلك القدرة على إنتاجها ، ولكن هذا لا ينفي حقيقة أن الاستثمار في بناء نظام إحصائي وطني قوى سوف يعود بالنفع ويغطى كلفة بنائه لمرات عديدة لما له من دور في تحسين تخصيص واستخدام الموارد .
ومن تلك الضمانات مبادئ خاصة بهيكلية وتشكيل الدولة التي تضمن توازن وتوزيع قوة الدولة وتفعيل الرقابة الداخلية اللازمة عليها ،المبدأ الرئيسي منها هو مبدأ فصل واستقلالية السلطات المكونة لجهاز الدولة والذي يعمل على “الحول دون الاستئثار بهذه السلطات من قبل شخص واحد أو جهة واحدة، ويوفر في الوقت ذاته عملية توزيع في هذه المهمات بين جهات ثلاثة تستقل الواحدة منها عن الجهتين الأخريين استقلالا “عضويا” و “وظيفيا”
وبذلك يمكن ضمان عدم التعسف أو الاستئثار باستعمال السلطات وكذلك تكون كل جهة بمثابة الكابح إزاء عدم خروج السلطات أو الجهات الأخرى على ما هو مناط بها من مهام”.
ولكن لا يمكن التعويل –وفقط- على أهمية مبدأ فصل واستقلالية السلطات ،فهناك ضمانات أخرى تمكن المجتمع من امتلاك مقاليد وأدوات محاسبة ومسائلة الدولة عما تتخذه من قرارات وسياسات تؤثر عليه اتخذتها بموجب ما منحها إياها من قوة وشرعية والتي تتمثل في بناء مجتمع مدني له القدرة على النقد والتأثير في تلك السياسات .
في جميع الحالات ما يمكن بيعه ليس هو المنتج الفكري في ذاته ولكن فرصة الوصول إليه بطريقة أو أخرى. في أحيان كثيرة تكون عملية توفير إمكانية الوصول إلى منتج فكرية بالغة التعقيد وعالية التكلفة. وفي أحيان أخرى تستدعي هذه العملية إضافة جهد إبداعي يمثل في ذاته منتجًا فكريًا. على سبيل المثال، يمكن لقصيدة أن تتاح من خلال طباعتها ونشرها، ويمكن أيضًا أن تتاح من خلال تلحينها وأدائها مغناة. وفي هذه الحالة يكون اللحن والأداء منتجات فكرية إضافية.
يحتاج المنتج الفكري إلى المرور بعمليات تُحوله إلى صورة يمكن من خلالها أن يصل المستخدم النهائي إليه. على سبيل المثال، يبدأ العمل السينمائي كفكرة أولية ثم يمر بمراحل كتابة السيناريو قبل إنتاجه وانتهاءًا بعرضه في دور السينما أو من خلال البث على الإنترنت. توجد عملية وسيطة ذات تكلفة مادية يقدمها مستثمرون يتوقعون عائدًا مجزيًا لاستثمارهم. وبخلاف العمليات الصناعية التقليدية، التي يمثل فيها المنتج المصنوع في حد ذاته ضمانة الحصول على عائد بيعه، لا يمكن ضمان عائد استغلال منتج فكري إلا باحتكار الحق في هذا الاستغلال.
يتيح التطور المستمر للتكنولوجيا الرقمية مع الوقت المزيد من سبل تغيير المسارات التقليدية لعمليات إنتاج الملكية الفكرية وإتاحة الوصول إليها والاستفادة منها. تيسير وتبسيط عمليات إنتاج عديد من صور المنتج الفكري تسمح للمنتِج الأصلي بأن يضع بنفسه منتجه في صورة صالحة لاستفادة الآخرين منها. في الوقت نفسه تتيح الصور المختلفة لتراخيص الاستخدام أن يحافظ المنتِج الأصلي على حقوقه المعنوية في نسبة منتجه الفكري إليه مع إتاحته للآخرين دون قيود غير مبررة.
كذلك يتيح التواصل من خلال الإنترنت إمكانية نشر المنتج الفكري ووصول أكبر عدد ممكن من الناس إليه. تفتح هذه العوامل مع غيرها الباب أمام إمكانية تطوير صور مختلفة لإنتاج واستغلال المنتج الفكري. بصفة خاصة يمكن في كثير من الحالات الاستغناء بشكل كامل عن دور الوسيط ما بين المنتِج الأصلي وبين المستخدم النهائي.
المشكلة فى تغليظ الغرامات، دون وجود قانون إتاحة معلومات، أنها تتحول عمليًا إلى عقوبة سالبة للحرية بشكل غير مباشر. صحيفة لا تستطيع دفع غرامة مبالغ فيها تُغلق، صحفى يخشى العقوبة يمتنع عن النشر، فيُفتح الباب الخلفى واسعًا أمام منصات غير مهنية، عابرة للحدود، لا تخضع لقانون ولا لمساءلة. هكذا، بدل أن نواجه الشائعة، نُضعف الإعلام المهنى، ونترك المجال لمن لا يعنيه القانون أصلًا.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا









