(قصة قصيرة )
كل شيء في الخارج يبعث على الحركة والحياة ،الأمل المخضر على المروج ينتشي مسقيا بحبات الطل اللامعة،العصافير اختارت ركنا من النافذة لتبني عشها وشرعت تردد ألحان الحب.
على استحياء، أشعةالشمس تخترق كثبان السحب الخفيفة لتزحف على جوانب هذا العالم الساحر.
من نافذة غرفتي المطلة على الحديقة،أتأمل هذا الفرح الصغير وأنامستلقية على فراشي الأبيض،جامدة بلا حراك.
- “إنه القلب”.
عبارة حروفها قليلة لكن كان لها مفعول الديناميت،فجرت أركان حياة بأكملها، هاهي عيناي تودعان بريقهما الساحر و يوما عن يوم تكبر الغصة في حلقي كما تكبر كرة الثلج عند تدحرجها بين الهضاب..
قلوب اليافعين تستيقظ للحياة.. للحب،وقلبي أنا يستعد لنومته الأخيرة،في أعماق صدري يقيم إحساس بالمرارة وصدى كلمات لاتنسى،تتردد في قسوة بالغة:
-إنها حكاية أشهر،عام على الأكثر، ويبقى الحل الوحيد عملية زرع قلب جديد.
وتبدأ رحلة الانتظار،منظر الأحياء خارج المستشفى يوحي بالعطلة،عطلتي أنا بدأت منذ ثلاثة أشهر،لا تغيير يذكر،مازلت أنتظر هبة قد تأتي و قد لا تأتي.
قلبي يتدلل،دقاته تشتد تارة وتضعف أخرى، أشعر بالألم،على يميني جهاز يصدر رنينا متواصلا،ساعات الانتظار مؤلمة،زيارات الأطباء والطاقم الصحي تتباعد شيئا فشيئا،أماالطبيب المعالج،فلم أعد أرى منه إلا ظله المتسارع يمر أمام باب غرفتي،وحدها الممرضة الشقراء ذات النظرة الملائكية تأتي بين الحين والآخر لتطمئن علي.
كل شيء في الخارج ينبئ بانتهاء العطلة
،أوراق الشجر المصفرة تتساقط،أصغي لأصوات انكسارها تحت أقدام المارة وتنكسر معها قواي.
أشرئب إلى الصباحات الرمادية الممتلئة بضحكات الأطفال وهم في طريقهم إلى المدارس،أسراب الطيور المهاجرة تملأ الأديم. أشعر بطاقتي آخذة في التلاشي، لابد أن موعد السفر يقترب.
أحاول أن أقنع نفسي بالاستعداد وإعداد الآخرين من حولي،ألمح في عيونهم شعلة منطفئة،يجتهدون مليا في إخفائها.
الثلوج تكسو الرياض،تمتزج كثبانها ببياض الوزرات التي تدب بسرعة فائقة في أروقة المستشفى،في ممرات الساحة،أحاول-عبثا-أن أستجمع مابقي من قوتي لأبقى ثابتة إلى النهاية.
رحلت هذا الصباح،دموع الأحبة تغسل نعشي،أُحمل على الأكتاف،الممرضة الشقراء الرائعة ترافقني باكية،تلتحق بها جموع حزينة الملامح تكبر شيئا فشيئا وهي تخترق أروقة المستشفى..
تحفزني نظرة وداع أخيرة لدنيا الناس،أطل من نعشي.،في الاتجاه المقابل،ألمح قامة فارهة مبتسمة المحيا، تمشي بسرعة وتمسك صندوقا أبيض أغلق بإحكام . - (المغرب )










