من بين فيض البشارات التي يحملها البرنامج الرائع دولة التلاوة انه أعاد للاذهان فضيلة وقاعدة ما يجب ان يسمع وما يجب ان يقدم الى الناس.. وأعاد الى الاذهان فضيلة مهجورة وهي احترام عقلية المشاهد وان البرامج الاذاعية والتلفزيونية لايجب ان نتركها سداحا مداحا كما لو كانت تعمل في فراغ ..وهو ما يمهد الطريق لالغاء بدعة العصر الحديث في لعبة شراء وقت البث وافعل ما تشاء تحت قاعدة بفلوسك اعمل ما بدا لك ..
وهي تعتبر جريمة العصر الإعلامية بعدما افرزته من كوارث سواء على المستوى المهنى او الأخلاقي والاجتماعي أيضا ..وتورط فيها ومعها شخصيات ليست عادية او على مستوى من الثقافة والمكانة الاجتماعية..
ومن يتأمل ما جرى ويجرى على الساحة في الآونة الأخيرة من جرائم وصلت حد القتل والتصفية الجسدية على نصب البرامج الخاصة في أوقات البث المخصوص سيدرك حجم المأساة.. وكم من أرواح زهقت وكم من أناس راحوا ضحايا الاتجار بالمخدرات على يد عصابات مجرمة اتخذت من الإعلاميين المزيفين في تلك البرامج ستارا..الا انه وبفضل الله ويقظة أجهزة الامن وضباط المكافحة في وزارة الداخلية كانت لهم بالمرصاد وكشفت عن مجرمين شديدي الخطورة ليس فقط على الساحة الداخلية بل والدولية أيضا..
إعادة الجمهور الى الشاشة فضيلة كبرى لايمكن التقليل منها في وقت تتصاعد فيه حملات العبث بالعقول مستخدمة كل الفنون المتاحة للاختراق والسيطرة واللعب في مصادر التوجيه والتثقيف ووسائل التنشئة الاجتماعية ..
فلأول مرة منذ زمن بعيد اسمع أناسا يتحدثون ويتواصون بمشاهدة برنامج الساعة كذا يوم كذا على شاشة كذا وهو امر افتقدناه كثيرا في بلادنا ..امر اسعدني كثيرا خاصة وان البرنامج مرتبط باهل القران اهل الله وخاصته برنامج يأخذ الى حيث الانوار ومنابعها الصافية وجمال اشراقاتها الوضيئة وأهلها الكرام البررة..
من بشارات برنامج دولة التلاوة تلك العودة المرتقبة والحميدة للسميعة الكبار وهي قضية مهمة ولها تاثيرها في الوجدان العام..ولا يمكن ان ننكر ان الانتشار الكبير والالتفاف حول البرنامج من مختلف الطبقات والاجناس خلق طبقة هائلة من السميعة اسرهم سحر القراءات القرانية الخاشعة التي تخطف القلوب قبل العقول..
لم يتوقف السميعة عند اهل القران فقط ولكنني وجدت أناسا عاديين جدا يبدون اعجابهم ويتحدثون بحب ودهشة واعجاب بما يسمعون ويشيدون بنماذج القراء وتلاواتهم خاصة من الشباب والأطفال ويتمنون لو كانوا اولادهم..
هذا فضلا عن الحراك الذي احدثه البرنامج بين المثقفين واهل التخصص والمناقشات حول التعليقات والاحكام وما يثار من نقاش حول التحكيم وأعضاء اللجنة وقراراتها وتقييماتها للمتنافسين.
يستوقفنا من بين جمهور السميعة أصحاب التخصص واهل الفن البديع وهؤلاء ظهروا بوضوح في فئة المحفظين والحفاظ وجمهور المتنافسين في المسابقات الدولية للقران الكريم في الداخل والخارج ومصر بها الالاف من هؤلاء وكانوا نجوما في تلك الميادين الرائعة وكانت بصماتهم واضحة واصواتهم رنانة على الصعيد العالمي وقد تابعت بعضا منهم على وسائل التواصل الاجتماعي وبعضهم قدم لمحات عن لجان التحكيم في المسابقات الدولية بالمقارنة مع ما يحدث في دولة التلاوة ..
هالني موقف أعضاء لجنة التحكيم الحالية فقد تناسوا مهمتهم التحكيمية حينا وظهروا وكأنهم من طبقة كبار السميعة وهم بالفعل كذلك..ومن يتابع البرنامج يشاهد لحظات الانفعال والاعجاب والتعبير العفوي عن ذلك الاستحسان والاعجاب وكلهم اشتركوا في ذلك بلا استثناء بما فيهم رئيس اللجنة فضيلة الشيخ حسن عبد النبي الذي كان يرفع يديه عاليا صائحا الله.. بل ان الشيخ طه وقف محييا مهللا الله..وكذا فعل الشيخ الطاروطي ولم يغب عن ردود الأفعال هذه فضيلة الدكتور أسامة الازهري وزير الأوقاف الذي كان يتابع بدأب وبشغف اعمال المسابقة واحيانا مشاركا وموجها ومديرا لدفة التنافس والقاء اضاءات مهمة لتحفيز المتسابقين او للتنوير ببعض الاحكام في القراءات وما شابه..
وهنا لابد من توجيه التحية لفريق الاعداد والإخراج للبرنامج وسرعة البديهة لدي الفريق الفني في نقل الانفعالات الحية سواء لاعضاء لجنة التحكيم او لجمهور الحاضرين سواء من الأقارب اباء وامهات واشقاء المتنافسين على جمال وحلاوة التلاوة ومدى تاثرهم ودموع الفرح والبهجة وغيرها وهو ما يضفي أجواء حميمية ويساهم في رسم صورة حقيقية حول ما يجري وهو امر يعطي حيوية اكثر ويقرب الجمهور ويضعه في قلب الحدث المبهر..
لابد من الإشارة الى ان عالم السميعة يمتلكون قوة هائلة ولهم سلطانهم الادبي والعلمي أيضا ولذلك يقول اهل الاختصاص ان لكل دولة شعب وفي دولة التلاوة الرعية هم السميعة.. قد يتبادر الى الاذهان ان السميعة هم من يهللون بالاستحسان والتشجيع لقارئ ما او ما نسمعهم ونراهم في الحفلات والموالد إياها.. وهذه صورة مغلوطة وليست حقيقية لان جمهور السميعة ليسوا من الدراويش والعامة فقط بل فيهم نماذج من كبار المتخصصين سواء في القراء او من الفنانين والملحنيين والمؤرخين والموسيقين .. والتاريخ يذكرنا بعلاقات وثيقة بين كبار القراء ونجوم الفن والطرب وكبار الموسيقيين مثل فضيلة الشيخ مصطفى إسماعيل والموسيقار محمد عبدالوهاب والسيدة ام كلثوم وغيرهم..
يقول مؤرخو الفن ان عبد الوهاب وأم كلثوم كانا يسعيان إلى المقرئين ليتعلّما فنون الأداء والمقامات وارتبطا بعلاقة وثيقة مع بعض الشيوخ.
وكان عبد الوهاب إذا ما جلس للاستماع إلى الشيخ محمد رفعت يتحوّل إلى تلميذ أو بحسب تعبيره “خدّام الشيخ”، وظل سمّيعاً وصديقاً لكبار المقرئين كالشيخ مصطفى إسماعيل وعبد الباسط عبد الصمد..ووعندما رثت الدكتورة رتيبة الحفني الشيخ مصطفي إسماعيل قالت:كان معهدا عاليا للموسيقى العربية.
والفنان عمار الشرعي احد كبار السميعة صرخ ترحماً على الشيخ مصطفى عندما سمعه يتلو الآية الكريمة من سورة القمر:« فدعا ربه أني مغلوب فانتصر»:أقسم بالله لايوجد موسيقي يمكنه التعبير عن التغيرات الدرامية في هذه الآية كما فعل الشيخ. فالآية تحمل دعاء سيدنا نوح لما يأس من قومه تليها آية إجابة الدعاء من الله عز وجل وشتان بين صوت ونغم من يدعو وهو مغلوب راجياً من الله أن ينتصر له وبين الإجابة بفتح أبواب السماء بماء منهمر و تفجير الأرض عيونا.
والحديث عن السميعة الكبار موصول ..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










