كنت سعيدا لأنني استلمت العمل كطبيب بشري بوزارة الصحة المصرية ، تم تكليفي بالعمل في محافظة الفيوم ، وتم توزيعي على الإدارة الصحية بأبشواي ، ومنها إلى الوحدة الصحية بقرية الجيلاني .
أسماء جديدة لبلاد لم أسمع عنها من قبل ، لهجة الناس في محافظة الفيوم مختلفة عن اللهجة التي تربينا عليها في بلادنا في وجه بحري ، ملابس الفلاحين مختلفة عن ملابسهم في بلادنا.
هواء الفيوم جميل ، كما أخبرني بعض الناس بذلك.
مناظر النخيل الكثير المتشابكة متفردة ، وجميلة ، وأعتقد أنه لا يوجد لها مثيل في أي محافظة أخرى .
أرض الفيوم ليست مستوية كأرض الوجه البحري ، بل هي مدرجات ، تجد أرضا عالية وبجوارها أرض منخفضة ، والخضرة تكسو هذا المدرجات ، والماء المتدفق في الجداول جميل ، ويأسر القلب .
في الوحدة الصحية في قرية الجيلاني فوجئت بأنها وحدة جديدة ، وأنني أول طبيب يعمل بها ، وأن الوحدة ليس بها تمريض ، لا يوجد بها سوى عامل وعاملة وكاتب ، شيء عجيب ، كيف أعمل بدون تمريض ؟ وسكن الطبيب يحتاج إلى إصلاح السباكة ، ومرتبي في ذلك الوقت في عام 2001 مرتب زهيد مائة وسبعون جنيها .
الطبيب يتم توزيعه على وحدات صحية ليس بها تمريض ، وسكن يحتاج إلى إصلاح على الرغم من أنها وحدة صحية جديدة ، منتهى الفساد والاستهتار.
العامل إسمه عبد الجيد ، وهو إسم جديد لم يمر علي من قبل ، وهو شخصية عجيبة ، يبدو أن عمره يتجاوز الستين ، قصير القامة ، عليه ثياب رثة ، يتكلم فتبدو لثته بدون أسنان ، يمشي حافيا ، والناس الذين يترددون على الوحدة لأخذ حقنة أو الغيار على جرح يتصدقون عليه ، علمت بعد ذلك أنه ساقط قيد ، وأن عمره بالفعل قد يتجاوز الستين عاما .
قرية الجيلاني قرية بدائية ، بيوتها مسقوفة بجريد النخل وفروع الشجر ، وبين هذه البيوت البدائية يظهر بيتان كبيران ، أحدهما فيلا فخمة ، علمت أنها منزل عمدة البلد ، والبيت الآخر عمارة فخمة لأحد أعيان البلد .
الشيخ عبد الجيد كما يطلقون عليه لا يكف عن الكلام ، كان تسلية لي في ليالي هذه القرية الموحشة ، التي لا يوجد بها مخبز أو محل بقالة أو مطعم ، فإذا أردت أن أشتري شيئا ذهبت إلى البندر ( مدينة أبشواي ) فلا حل غير ذلك.
الشيخ عبد الجيد يحكي لي عن الأطباء الذين عمل معهم في وحدات صحية أخرى ، عن الدكتور محمود الذي كان سببا في زواجه بعد أن كان مضربا عن الزواج ، وكيف كان يدخر له راتبه كل شهر .
ويحكي الشيخ عبد الجيد عن زواجه ، وأنه تناول الطعام ليلة الدخلة ونام بعدها دون أن يلمس عروسه .
ويحكي كيف قطع المسافة من الفيوم إلى القاهرة سيرا على قدميه
وعن الأيام التي عمل فيها بوابا في القاهرة ، وكيف غضب من صاحب العمارة عندما ذكر الكتاكيت الفيومي معرضا به
وكيف كان يسرق الطعام من الأطباء ، ويشرب اللبن من ثلاجة الطبيب ، لدرجة أن أحد الأطباء كان فطنا فوضع في إناء اللبن عصا ووضع عليها علامة عند آخر اللبن ، فكان الشيخ عبد الجيد يشرب من اللبن ، ويكسر جزءا من أسفل العصا .
كل ليلة يحكي الشيخ عبد الجيد نفس الحكايات وكأنه يرويها للمرة الأولى
ويضحك من قلبه ويهتز من شدة الضحك
وتبدو لثته بدون أسنان .










