كتب عادل البكل
لم يعد تطور العلاقات التجارية بين مصر والمغرب مجرد انعكاس لتحسن مؤشرات التبادل السلعي، بقدر ما أصبح تعبيرًا عن تحول استراتيجي أوسع في فلسفة التعاون الاقتصادي العربي الإفريقي، بحيث اصبح يقوم على الانتقال من منطق التبادل التقليدي إلى منطق التكامل الإنتاجي والنفاذ المشترك للأسواق ، فبلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.1 مليار دولار في عام واحد، لا يمثل سقف الطموحات بقدر ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة.
مؤشرات النمو أرقام إيجابية لكنها غير كافية
القراءة الاقتصادية لمعدلات التبادل التجاري بين القاهرة والرباط تظهر مسارًا تصاعديًا يعكس تحسن بيئة التعاون المؤسسي، إلا أن هذه الأرقام تظل محدودة نسبيًا إذا ما قورنت بحجم الاقتصادين، وتنوع القاعدة الإنتاجية في كل منهما، وقدرتهما التنافسية داخل القارة الإفريقية وهو ما يشير إلى أن النمو الحالي ما زال كميا أكثر منه هيكليا، ويحتاج إلى إعادة هندسة شاملة لمسارات التجارة والاستثمار.
اللجان المشتركة من الإطار البروتوكولي إلى الأثر الاقتصادي
تاتي أهمية انعقاد اللجنة التجارية المشتركة في قدرتها على التحول إلى آلية تنفيذية فاعلة ، فالتجربة العربية لطالما عانت من فجوة بين الاتفاق والتطبيق، وهو ما يجعل إنشاء منصات دائمة لإزالة العوائق الجمركية وغير الجمركية خطوة حاسمة نحو تقليص تكلفة التجارة، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وتعزيز ثقة القطاع الخاص في جدوى التوسع المشترك.
التكامل الجغرافي كرافعة للنمو المشترك
التحليل الاستراتيجي للعلاقات المصرية المغربية يكشف عن ميزة نسبية نادرة؛ إذ تمتلك مصر بوابة طبيعية لأسواق شرق إفريقيا، في حين تتمتع المغرب بتمركز قوي في غرب القارة و هذا التوزيع الجغرافي يتيح نموذجا متقدما للتكامل العابر للأقاليم الإفريقية، حيث لا تكون المنافسة بين الطرفين هي المحرك، بل بناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على اختراق الأسواق الإفريقية بمنتجات مشتركة ذات قيمة مضافة أعلى.
قطاعات واعدة تحتاج إلى إدارة تكاملية لا تنافسية
تعدد القطاعات المؤهلة للتعاون من الزراعة والصناعات الغذائية، إلى السيارات والمكونات، والدواء، والصناعات الهندسية، والخدمات التكنولوجية يعكس تشابها في الهياكل الإنتاجية، وهو تشابه يمكن أن يتحول من مصدر تنافس إلى مصدر تكامل إذا ما جرى توزيع الأدوار الإنتاجية بذكاء، و تم ربط الاستثمار بالتجارة، وتوجيه الحوافز نحو المشروعات المشتركة لا الصادرات المنفردة.
إفريقيا كإطار استراتيجي لا كسوق بديل
الرهان الحقيقي في العلاقات التجارية المصرية المغربية لا يقتصر على تحسين الميزان التجاري الثنائي، بل يمتد إلى بناء موقف اقتصادي منسق داخل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية ، فالتنسيق في السياسات التجارية، والمعايير، وقواعد المنشأ، يمنح البلدين قدرة تفاوضية أعلى، ويحول حضورهما في القارة من حضور منفرد إلى قوة اقتصادية مزدوجة التأثير.
من الأرقام إلى الاستدامة
تفرض المرحلة المقبلة الانتقال من الاحتفاء بالمؤشرات إلى تحقيق نتائج مستدامة، عبر ربط التجارة بالاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتوفير آليات تمويل وضمان المخاطر، و تتطلب تطوير البنية اللوجستية العابرة للحدود و عندها فقط يمكن للأرقام أن تعكس شراكة حقيقية، لا مجرد تحسن دوري في حركة السلع.
نهاية فان العلاقات الاقتصادية بين مصر والمغرب تقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية؛ إما أن تظل محكومة بمنطق النمو التدريجي، أو تنطلق نحو نموذج تكاملي متقدم يعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي العربي داخل إفريقيا والفيصل في ذلك لن يكون حجم الاتفاقات، بل قدرة المؤسستين الاقتصاديتين في البلدين على تحويل الإرادة السياسية إلى أثر اقتصادي ملموس.










