الاخبارية وكالات
للوهلة الأولى، يبدو سوق العقارات في مصر وكأنه يشهد طفرة تاريخية، لكن إمعان النظر يكشف عن اتجاه يدعو للقلق. فوتيرة طرح المشروعات الجديدة لا تتوقف، وأسعار العقود سجلت زيادات اسمية بنسبة 10-20% خلال الشهور الاثني عشر الماضية. لكن تكلفة تدبير الدولار ارتفعت بنحو 60% منذ أوائل عام 2023، فيما فقد الجنيه 37.5% من قوته الشرائية. وإذا استبعدنا صدمة العملة والتضخم في تكاليف البناء نتيجة الاستيراد، تبدو تلك المكاسب الاسمية وكأنها انكماش حقيقي في قيمة الأصول.
كما أن قيم العقود في سوق المقاولات المصري لا تعكس التكاليف الحقيقية، حسبما صرح عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء شمس الدين يوسف لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية في وقت سابق. وأضاف يوسف أنه بمجرد إضافة عناصر التكلفة المتغيرة وفروق الأسعار، تتضاعف تلك القيم فعليا.
هذا التضخم في تكاليف البناء يعد نتيجة مباشرة لتقلبات العملة، إذ توجه ما لا يقل عن 40-50% من نفقات المشاريع إلى المستلزمات والمعدات، وفق ما قاله رئيس الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء محمد سامي سعد لإنتربرايز في وقت سابق. ويعني اعتماد القطاع على المدخلات المستوردة أن الصدمات الخارجية، مثل تقلبات أسعار الصرف واضطرابات سلاسل التوريد الإقليمية، تضرب المشروعات بشكل مباشر بدلا من أن تؤثر عليها تدريجيا على مدار أشهر.
وتُظهر النشرة الشهرية لمتوسط أسعار مواد البناء الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مايو 2026 مدى تأثير هذه الضغوط على التكاليف. إذ قفزت أسعار أسمنت بورتلاند العادي المعبأ بنسبة 26.22% على أساس سنوي ليصل إلى 214.40 جنيه للعبوة، كما ارتفعت أسعار الطوب الأسمنتي المصمت بنسبة 24.03%، والرمال بنسبة 37.44%، والزلط بنسبة 23.33%، في حين استقرت أسعار حديد التسليح قرب مستوياتها المرتفعة القياسية، لتبلغ في المتوسط 41,345 جنيه للطن (بزيادة سنوية 5.06%).
وتجد سوق العقارات نفسها مضطرة في الوقت الحالي إلى إعادة تسعير مدخلاتها، نتيجة لتضخم تكاليف البناء، والخسائر التراكمية في قيمة الجنيه والتي بلغت أكثر من 50%، وفق ما قاله أستاذ الاقتصاد مدحت نافع لإنتربرايز. وربما تكون أسعار العقارات في الساحل الشمالي قد سجلت زيادات اسمية بنسبة 10-20%، لكن السوق يعيد التسعير حاليا لاستيعاب صدمة المدخلات المرتبطة بالدولار، بحسب نافع، الذي أشار إلى أن المشكلة ليست فقط في غياب القيمة العادلة المرجعية للأسعار، وإنما كذلك في تلاشي القدرة على التسعير.
تحوط لا يخلو من المحاذير
لم تتأثر جميع الفئات بنفس القدر؛ إذ أصبح الساحل الشمالي مركزا لرؤوس الأموال الباحثة عن الاستقرار والمخاطر المنخفضة، وأبرز الملاذات الآمنة للطلب في سوق يشهد موجة عنيفة لإعادة التسعير في بقية المناطق. وقد كشف لنا أحمد صبور، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة الأهلي صبور للتنمية العقارية، عن رقم استثنائي يختصر المشهد، وهو أن الساحل الشمالي وحده استحوذ على نحو 37.5% من إجمالي مبيعات السوق العقارية المصرية خلال عامي 2024 و2025، مسجلا مبيعات تجاوزت 1.2 تريليون جنيه، من إجمالي مبيعات بلغت 3.2 تريليون جنيه. وأضاف أن الساحل الشمالي حاليا به أكثر من 70 مشروعا تمتد على مساحة 35 ألف فدان، وتحتوي على ما يقرب من 245 ألف وحدة، ما يعكس حقيقة أن قرار الشراء بات قرارا استثماريا بالدرجة الأولى، ووسيلة للتحوط من التضخم.
لكن المطورين حاولوا استيعاب تدهور القوة الشرائية الحقيقية من خلال تمديد خطط السداد لسنوات طويلة، حتى يضمنوا تحقيق أرقام المبيعات البارزة تلك. يساعد ذلك في تحويل المبيعات القياسية المعلنة إلى مستحقات مؤجلة بدلا من سيولة نقدية فورية، مما يدفع المطورين إلى لعب دور المؤسسات التمويلية التي تتحمل مخاطر الائتمان لسنوات. وقد بلغت قيمة الشيكات المؤجلة الخاصة بالوحدات المباعة غير المسلمة بعد لدى مجموعة طلعت مصطفى 180.4 مليار جنيه في الربع الأول من عام 2026، كما أفصحت سوديك عن أن هناك 77.6 مليار جنيه غير مدرجة بالقوائم المالية تتعلق بالشيكات الآجلة وأقساط الوحدات غير المسلمة، ووصلت محفظة المبيعات المتراكمة للوحدات المباعة غير المسلمة في شركة بالم هيلز إلى مستوى قياسي يبلغ 263 مليار جنيه، ارتفاعا من 190 مليار جنيه في العام السابق.
وأصبحت الأرباح المعلنة لا تروي القصة كاملة، إذ لا تعترف معظم الشركات بالإيرادات إلا عند التسليم، مما يجعل نتائج الأعمال الحالية مؤشرا على صفقات البيع المبرمة قبل 3-4 سنوات، وبالتالي فإنها لا تعبر عن بيئة الطلب الحالية، حسبما صرح رئيس قطاع البحوث بشركة الأهلي فاروس هاني جنينة لإنتربرايز في وقت سابق. وأضاف أن المستثمرين يبحثون عن السيولة وليس المكاسب الدفترية. أما راندا حامد، العضو المنتدب لشركة عكاظ لإدارة الأصول وعضو مجلس إدارتها، فتقول إن السوق تكافئ الشركات التي توفر توقعات واضحة بشأن السيولة، وليس فقط الشركات التي تحقق مبيعات ضخمة.
بالتالي فإن هناك معادلة صعبة كامنة وراء هذا المشهد، وهي أن أرقام المبيعات الكبيرة تؤمن للشركات اليوم حصة من السوق، بينما السيولة النقدية التشغيلية تضمن لها القدرة على مواصلة البناء في المستقبل. ولا يستطيع كل المطورين تحمل تكلفة هاتين الميزتين معا.
من يملك السيولة للبناء؟
يؤدي الاعتماد المفرط على المستحقات طويلة الأجل إلى التفرقة بين المطورين القادرين على توليد سيولة نقدية حقيقية لتمويل عمليات البناء وأولئك المعرضين لفجوات السيولة. قفز صافي التدفقات النقدية من الأنشطة التشغيلية لمجموعة طلعت مصطفى إلى 10.8 مليار جنيه في الربع الأول من 2026، مدعوما بنسبة دين إلى حقوق الملكية تبلغ فقط 8.6%، إذ تبلغ قيمة القروض والتسهيلات 14.8 مليار جنيه مقابل حقوق ملكية بقيمة 170.6 مليار جنيه. أما بالم هيلز فحققت تدفقات نقدية تشغيلية إيجابية بلغت 1.76 مليار جنيه، مقابل وصول حقوق المساهمين إلى 20.4 مليار جنيه. وبالنسبة لسوديك فتحولت من تحقيق تدفقات إيجابية بقيمة 617.5 مليون جنيه في الربع الأول من عام 2025 إلى تحمل عجز قدره 297.1 مليون جنيه في الربع الأول من عام 2026، مع وصول قيمة حقوق الملكية إلى 16.2 مليار جنيه.
هذا الانضباط هو ما يحدد من سيتمكن من البقاء:
تعمدت سوديك تجنب نهج تمديد خطط السداد لآجال طويلة للغاية، مفضلة الالتزام بخطط السداد الممتدة لثماني سنوات في نسبة 90% من مشاريعها، وفق ما قاله لنشرتنا أيمن عامر، مدير عام الشركة. وأضاف أن سوديك تتجنب التسعير اللحظي من خلال إيقاف المبيعات مؤقتا لإعادة ضبط الأسعار دون الإضرار بهوامش الربح أو جودة التنفيذ، كما فعلت خلال فترات من عامي 2023 و2024.
لكن التحوط الكامل ضد التضخم أمر مستحيل، حسبما صرح لنشرة “إنتربرايز ” الاقتصادية أحمد شلبي، الرئيس التنفيذي لشركة تطوير مصر. دفع ذلك الشركة إلى تنفيذ برنامج توريق بقيمة 20 مليار جنيه على مدار 4-5 سنوات لتأمين السيولة اللازمة للتنفيذ. أما الأهلي صبور فتدير هذه الضغوط بطريقة مختلفة، من خلال ربط خطط السداد بجداول تنفيذ المشاريع، والتعجيل بطرح الوحدات الجاهزة للاستلام الفوري للحد من مخاطر فترات التسليم الطويلة.
تفادي فخ المستحقات الآجلة
ثمة طريقة أخرى للصمود في ظل حركة إعادة التقييم بالسوق بخلاف مبيعات الوحدات قيد الإنشاء والاعتماد على المستحقات طويلة الأجل. إذ يراهن عدد قليل من الشركات على الدخل المتكرر بدلا من ذلك، ومنها شركة بنيان، التي يدير رئيسها التنفيذي طارق عبد الرحمن نموذجا قائما على “التملك بغرض التأجير” لتجنب مخاطر البناء تماما؛ فتستحوذ الشركة على أصول تجارية وإدارية جاهزة ومدرة للدخل في شرق وغرب القاهرة، وتؤجرها لمستأجرين رئيسيين من الشركات المحلية ومتعددة الجنسيات. يوفر هذا النموذج لبنيان تدفقات نقدية مستقرة وعوائد فورية، بعيدا عن تقلبات أسعار مواد البناء، وفق ما قاله عبد الرحمن لإنتربرايز. وأضاف أن إدراج الشركة في البورصة يمنح المستثمرين طريقة أكثر مرونة للحصول على السيولة بدلا من الاستثمار في القطاع العقاري.
هذه الاستراتيجية للاستحواذ على الأصول القائمة وإعادة تأهيلها بدلا من بناء الأصول الجديدة هي الأساس الذي تعتمد عليه شركة مصر أبوظبي للاستثمارات العقارية، المدعومة من بنك مصر، والتي تميل إلى إدارة الأصول بدلا من تطوير المشاريع. فيقول الرئيس التنفيذي للشركة ماجد صلاح الدين لإنتربرايز إنها تمتلك أصولا تبلغ قيمتها العادلة الحالية 4 مليارات جنيه، وتستهدف الوصول بحجم الأصول المدارة إلى 10 مليارات جنيه. وتشمل محفظة الشركة تحويل مخازن روض الفرج إلى مجمع طبي متكامل، وتطوير أصول فندقية في رأس سدر ونويبع والعين السخنة. ويوضح صلاح الدين قائلا: “نحن شركة لإدارة الأصول.. ونقف مع الشريك التشغيلي كالعادة في المكسب والخسارة”. وبمجرد بدء التشغيل وتدفق العوائد، ستدرس الشركة إما إدراج أسهمها في البورصة عبر طرح عام أولي، أو التحول إلى صندوق استثمار عقاري مدر للأرباح.
الخطوة التالية:
ستكون التدفقات النقدية التشغيلية هي الفيصل في تحديد من سيواصل البناء. فالمطورون الذين يولدون سيولة حقيقية سيمكنهم المضي قدما دون الاعتماد على شيكات المشترين؛ أما أولئك الذين يفتقرون إلى السيولة فسيظلون عالقين في انتظار تحصيل مستحقاتهم قبل أن يتمكنوا من تدشين مشروعاتهم التالية.










