“حين تفككت الدولة وبقيت الأزمات”
منذ عام 2011، لم يدخل العالم العربي مرحلة «تغيير» بقدر ما دخل مرحلة اختبار قاسٍ لفكرة الدولة نفسها. فالأحداث التي انطلقت تحت عناوين الإصلاح والحرية سرعان ما تجاوزت مطالبها الأولى، لتفتح الباب أمام خلل عميق في بنية الحكم، وفي علاقة السلطة بالمجتمع، وفي قدرة الدولة على الاستمرار بوصفها الإطار الجامع.
لم تكن المشكلة في الرغبة في التغيير، بل في تفريغ الدولة من أدواتها قبل الاتفاق على بديل. سقطت أنظمة، لكن المؤسسات لم تُبنَ، فظهر الفراغ، والفراغ لا يبقى فارغًا طويلًا.
في أكثر من بلد عربي، تحوّلت لحظة الاحتجاج إلى مسار تفكك تدريجي. لم تنتقل السلطة إلى نظم مستقرة، بل انزلقت الدول إلى:ضعف مؤسسي , تعدد مراكز القرار، صعود قوى غير خاضعة للمساءلة،واقتصاد موازٍ قائم على الفوضى
وهكذا، لم يعد الخطر في الصراع السياسي، بل في غياب الدولة القادرة على إدارة هذا الصراع.
ومع تراجع الدولة تم تدويل القرار العربي وتحولت الأزمات العربية إلى ملفات إقليمية ودولية، تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق الحلول. باتت ملفات النفط، الغاز، الممرات البحرية، ومواقع النفوذ محددات أساسية للسياسات، بينما تراجع وزن الإنسان العربي في المعادلة.
لم تعد السيادة مسألة قانونية، بل قابلة للتفاوض، ولم تعد الجيوش أدوات وطنية خالصة، بل عناصر في توازنات أكبر.
وحين تغيب السياسة، يتقدم السلاح. وحين تفشل المؤسسات، يصبح الانقسام هو القاعدة لا الاستثناء.
الأخطر أن هذا الانقسام لم يعد حالة مؤقتة، بل تحوّل إلى نظام قائم بذاته، تعيش عليه شبكات مصالح داخلية وخارجية، وتخشى أي محاولة جادة لإعادة توحيد الدولة أو مؤسساتها.
ليبيا تبدو لنا في هذا السياق كنموذج لا كاستثناء، نموذجًا. دولة غنية بالموارد، ضعيفة بالمؤسسات، مفتوحة على كل الاحتمالات.
أي محاولة لإعادة بناء الدولة، أو توحيد القرار العسكري والسياسي، تصطدم مباشرة بمصالح متشابكة ترى في الاستقرار خطرًا، وفي الانقسام ضمانًا للاستمرار.
ضمن هذا الإطار يمكن فهم حساسية أي مشروع يسعى إلى إعادة الاعتبار لفكرة الجيش الوطني أو القرار السيادي، كما يمكن فهم كيف تتحول الأحداث الفردية – حتى وإن كانت حوادث تقنية مثبتة – إلى رموز سياسية تُقرأ في سياق أوسع من تفاصيلها المباشرة.
من هنأ نقرأ ما وراء حادث سقوط الطائرة الذي أودى بحياة رئيس أركان قوات حكومة “الوحدة الوطنية الليبية”.
ورغم أن التحقيقات الرسمية تُرجع الحادث إلى أسباب فنية، فإن وقوعه في هذا الوقت بالذات جعله محمّلًا بدلالات سياسية تتجاوز الواقعة نفسها، لأنه يكشف عن واقع باتت فيه مشاريع الدولة هشّة، القيادات المؤسسية معرّضة للغياب في أي لحظة
والثقة في الاستقرار شبه معدومة.
الخطر الحقيقي الذي يواجه العالم العربي منذ الربيع العربي لا يتمثل في حادث بعينه، ولا في شخص مهما كان موقعه، بل في مسار طويل من إضعاف الدولة وتطبيع الانقسام.
ما دام القرار مُبعثرًا، والمؤسسات منزوعة الحماية، والسيادة مرهونة للتوازنات،
سيبقى أي مشروع وطني مهددًا، وأي خسارة قابلة للتكرار، وأي ربيع مؤجلًا إلى إشعار آخر.










