فى ظل ارتفاع التكلفة المعيشية وضغوط التمويل المتزايدة لم يعد الدين مجرد مؤشرات فى تقارير رسمية بل سؤالا حقيقيا يطرحه المواطنون عن قدرة الدولة على الاستمرار فى تلبية احتياجاتها الأساسية دون تهديد الاستقرار المالى .
وتشير أحدث البيانات إلى ان الدين الخارجى يضع الموازنة العامة تحت ضغط مضاعف حيث يذهب جزء كبير من الإنفاق الحكومى الى خدمة الدين بما يقلص القدرة على توجيه الموارد للإستثمار والإنتاج ورفع مستويات المعيشة .
يؤكد خبراء الاقتصاد وأنا منهم أن أدوات إدارة الدين مثل إطالة أجال الدين ’ اعادة هيكلة الديون او مبادلتها بمشاريع إنتاجية يمكن ان تكون فعالة إذا تم استغلال الوقت الذى تمنحه هذه الأدوات فى بناء محركات نمو حقيقية تحفز الإنتاجية وتخلق فرص عمل وتقلل الاعتماد على الاستيراد وفى المقابل فإن الاعتماد على الدين لتمويل الاستهلاك أو تغطية العجز دون إستثمارات إنتاجية حقيقية يضاعف المخاطر على المدى المتوسط والطويل ويجعل الإقتصاد أكثر حساسية لأى صدمة فى أسواق العملات أو أسعار الفائدة العالمية . حيث تمثل الديون طويلة الآجل 80% من اجمالى الدين بينما تشكل الديون قصيرة الأجل اقل من 20% هذه النسبة تمنح الدولة هامشا نسبيا من الوقت لإدارة إستحقاقات التمويل لكنها تتطلب خطة واضحة واستراتيجية دقيقة لإستغلال هذا الوقت فى تمويل مشاريع إنتاجية مستدامة بدلا من الإكتفاء بشراء وقت يفتقر الى أثر إقتصادى ملموس
إن اعباء الديون فى مصر وصلت الى مستويات تمثل ضغوطا مالية حقيقية على الموازنة العامة للدولة , ان اقساط فوائد الديون تمثل نحو 65% من إجمالى الإنفاق العام فى موازنة 2024/2025 وهو ما يعكس حجم العبء الهائل الذى تتكبده الخزانة العامة والذى يحد من قدرات الدولة على التمويل فى قطاعات حيوية أخرى
ان الاستمرار فى الاعتماد على أدوات الدين كوسيلة رئيسية لسد العجز ليس هو الهدف الأسمى .بل ان التمويل لا يعالج أصل المشكلة بل يؤجل انفجارها , الدين العام كونه أداة مشروعة يجب أن يربط بمشروعات إنتاجية تخلق قيمة مضافة لا أن يوجه للإنفاق الجارى وسد الفجوات الهيكلية حيث أنه لا فائدة من التمويل إن لم يتحول الى استثمار منتج .
ان الديون فى حد ذاتها ليست المشكلة الاكبر بل هو ارتفاع معدلها السنوى الى مستويات يصعب معها الحفاظ على توازن المالية العامة, ان استراتيجية الإقتراض الحالية يجب ان تعاد صياغتها بحيث تقل مستويات الاقتراض السنوى من نحو 12 – 15 مليار دولار الى حدود 5 – 6 مليار دولار فقط لضمان ألا يستمر الضغط على الموارد المالية دون تحقيق عائد اقتصادى حقيقى ملموس .
اننا لا ندعو الى وقف الإقتراض بالكامل بل نرى ضرورة ترشيد الإقتراض وتوجيهه نحو مشروعات قادرة على تحقيق عائد اقتصادى حقيقى يمكن ان بساعد فى سداد الديون على المدى المتوسط والطويل لا سيما فى مجالات الإنتاج المحلى والبنية التحتية ذات العائد الاقتصادى وتنمية الصادرات .
يمثل الانتاج المحلى والتصدير طوق النجاة للإقتصاد المصرى لأنهما يعززان النمو الاقتصادى ويقللان الاعتماد على الاستيراد ويساهمان فى توفير فرص العمل ويزيدان من تدفق النقد الاجنبى هذا يتطلب دعم القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة وزيادة مساهمتها فى الناتج المحلى الإجمالي من خلال تشجيع الإنتاج والتوسع فى الاسواق التصديرية .
المحامى — مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










