كان الموت دائما أذكى منا. يتركنا نركض، نخطط، نحبّ، ونختلف، ثم يظهر فجأة كحقيقة فاضحة، لا لتفاجئنا، بل لتسخر من سذاجتنا القديمة. نحن لا نُفاجَأ بالموت لأنه جديد، بل لأننا نكذب على أنفسنا طويلا، نقنعها بأن النهاية بعيدة، وأن الزمن يمكن التفاوض معه. لكن الزمن لا يسمع، والموت لا يوقّع اتفاقات. نحن، في جوهرنا، كائنات تاريخية معطوبة، نولد وفي أعيننا وهم الاستمرار، ثم نمضي العمر كلّه نحاول تأجيل لحظة الاعتراف بأن الوجود ليس وعدا، بل مهلة قصيرة في طابور الفناء.
نعيش لأن فينا عنادا يشبه عناد الجائع حين يتقاسم كسرة خبز مع الغد. نعرف أننا سنموت، ومع ذلك نستيقظ كل صباح، نغسل وجوهنا، ونخرج إلى الشوارع، كأن الحياة مدينة لنا بتفسير. هذا الإصرار على العيش، رغم اليقين بالموت، ليس شجاعة خالصة، بل نوع من المقاومة البائسة، مقاومة كائن يعرف أنه مهزوم، لكنه يرفض أن يسقط قبل أن يستنفد أنفاسه كلها.
حين تُنتزع الروح من الجسد، لا يحدث الأمر كما في الأفلام، بلا موسيقى ولا إضاءة درامية. يحدث في صمتٍ ثقيل، في فراغ يشبه سقوط شيء عزيز في بئر عميقة. الجسد، الذي كان منذ لحظة فقط ممتلئا بالنية والرغبة والذاكرة، يتحول إلى مادة باردة، إلى شكل بلا معنى. هناك، عند تلك اللحظة العارية، تتكشّف الخديعة الكبرى: كل ما راكمناه من أسماء وألقاب وسلطات لم يكن سوى قناع هشّ. السلطة تزول، الهيبة تتبخّر، والاعتراف الاجتماعي يسقط كقشرة يابسة. ما يبقى ليس الجسد، بل الأثر، ليس الاسم المكتوب، بل الاسم الذي عاش في قلوب الآخرين.
هذه السنة لم تمرّ علينا مرور الكرام. لم تكن رقمًا في رزنامة الزمن، بل جرحًا مفتوحا. جاءت محمّلة بالموت، لا كخبرٍ عابر في نشرات المساء، بل كحضور ثقيل، بأسماء نعرفها، ووجوه ألفناها، وأصوات كانت جزءا من تفاصيلنا الصغيرة. رحلوا واحدا تلو الآخر، وكأن الموت قرر أن يذكّرنا، بلا رحمة، بهشاشتنا الجماعية. وحين يغيب أشخاص كهؤلاء، لا يغيبون وحدهم، بل يأخذون معهم شيئًا من توازن العالم.
عبد الواحد بلحاج، قيدوم رياضة كمال الأجسام بالقنيطرة، لم يكن مجرد جسدٍ متماسك أو عضلات بارزة. كان يعرف أن الجسد مشروع تربية قبل أن يكون أداة عرض. كان يرى في التدريب نوعا من التقشّف الحديث، مدرسة للصبر والانضباط. يعلّم الشباب أن القوة الحقيقية لا تُقاس بما ترفعه من أوزان، بل بما تتحمّله من ألمٍ دون أن تنكسر. في صمته كان درس، وفي عرقه معنى، وفي حضوره سلطة أخلاقية لا تحتاج صراخًا. برحيله، بدا وكأن القاعة الرياضية فقدت روحها، وصار الحديد أكثر برودة.
محمد بوخريض، ضابط الأمن وزميلي السابق، كان من أولئك الذين فهموا أن الوظيفة لا تكتسب معناها من الشارة، بل من السلوك. كان هادئا كمن يعرف أن القوة إذا لم تُضبط تحوّلت إلى لعنة. لم يكن الأمن عنده تسلطا، بل حماية، ولم يكن النظام نقيض الإنسان. في حضوره، كان الخوف أقلّ فجاجة، وكانت السلطة أقلّ قسوة. رحل، وبدا وكأن شيئا من التوازن الخفيّ قد انكسر.
سليمان نصري، مقدم الشرطة، كان رجلا سبق منصبه بخُلُقه. لم يتعامل مع المسؤولية كامتياز، بل كدين يومي. كان القانون في يده أفق عدالة، لا عصا تهديد. حضوره كان يُرمّم الشقوق الصغيرة بين المواطن والمؤسسة، تلك الشقوق التي لا يراها أحد، لكنها تتسع بصمت.
محمد حمدي، المدرب الرياضي والفاعل الجمعوي الخلوق، كان يعمل في الظل، حيث لا كاميرات ولا تصفيق. كان يؤمن أن القيمة الحقيقية لا تحتاج شهودا. عاش داخل المجتمع، بين الناس، يلامس حاجاتهم اليومية، دون أن يرفع صوته أو يطالب بالاعتراف. كان من أولئك الذين يفعلون لأن الفعل واجب، لا لأن الثناء مغرٍ. برحيله، انطفأ مثال نادر للعمل المدني النظيف، ذلك العمل الذي لا يتغذّى على الضجيج.
ثم جاء غياب الأستاذ محمد فريخات، المربي وأستاذ الموسيقى، كضربة أخيرة في وتر الروح. كان يجمع بين العقل والذوق، بين الصرامة التربوية ورقّة الفن. يعلّم كما يعزف، ويعزف كما يعيش. في حضوره، كان التعليم فعل تهذيب، وكانت الموسيقى ملاذا من قسوة العالم. كان يؤمن أن الجمال ليس ترفا، بل ضرورة، وأن الفن شكل من أشكال النجاة. برحيله، صمت لحنٌ كان يمنح المعنى لأيام كثيرة.
برحيل هؤلاء، لم نفقد أفرادا فقط، بل فقدنا نماذج. والنموذج ليس شخصا، بل أفق. هو تلك المعايير الصامتة التي نحتكم إليها دون أن نشعر. الصديق الذي يموت لا يغيب، بل يتحوّل إلى ذاكرة حيّة، إلى صوت داخلي يراقبنا، يسائلنا، ويذكّرنا بما ينبغي أن نكونه. الغياب يصبح أثقل من الحضور، والزمن أكثر كثافة، لأن الذكريات لا تبهت، بل تتراكم كطبقات من الحزن.
الألم الحقيقي في موت الأصدقاء ليس لحظة الفقد، بل ما يليها. التعايش القسري مع الغياب. أن تتعلم كيف تضحك بنصف قلب، وكيف تمشي وفي داخلك فراغ لا يُرى. أن تكتشف أن الفرح نفسه صار يحتاج تبريرا، كأن الذاكرة تقف لك بالمرصاد. فالذاكرة لا تحفظ الماضي كما كان، بل كما يؤلمنا الآن، تعيد صياغته في ضوء الخسارة.
لهذا، فإن استحضار الراحلين ليس فعل حنين فقط، بل فعل مقاومة. أن نذكرهم مقرونين بصفاتهم، أن نعيد إدماجهم في حكايتنا الجماعية، هو شكل من أشكال العصيان ضد النسيان. الموت يسرق الجسد، نعم، لكنه يقف عاجزًا أمام ذاكرة واعية. والأثر، مهما كان موجعًا، هو البقاء الوحيد الممكن في عالمٍ محكوم بالفناء، عالم لا يرحم، لكنه يُهزم كل مرة حين نرفض أن ننسى.










